أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القيسي يكتب: خريطة الأحزاب السياسية كما يراها الملك


جمال القيسي

القيسي يكتب: خريطة الأحزاب السياسية كما يراها الملك

مدار الساعة ـ

أطلق جلالة الملك عبد الله الثاني مشروع التحديث السياسي تعبيرا عن إرادة ملكية وعن قناعة راسخة بأن الدولة الحديثة لا تُدار طويلاً بمنطق الأفراد، ولا بتمثيل اجتماعي تقليدي، بل عبر حياة حزبية قادرة على إنتاج برامج، ونخب سياسية، وحكومات تنبثق من الإرادة الشعبية ضمن مظلة الدستور.

غير أن قراءة المشهد الحزبي الأردني الحالي، تكشف أن الفجوة ما تزال واسعة بين الرؤية الملكية والواقع السياسي والاجتماعي.

هذه الفجوة لا يمكن اختزالها في ضعف الأحزاب وحدها، ولا في عزوف المواطنين فقط عن الانخراط الحزبي، بل هي في جوهرها أزمة انتقال مجتمع كامل من فكرة "التمثيل الاجتماعي" إلى منطق "التمثيل السياسي".

حين ينظر الملك إلى الخريطة الحزبية، فإنها لا تنطلي على خبرته بوصفها عناوين حزبية براقة، بل ينظر إليها من زاوية قدرتها الفعلية على تمثيل الشارع. وفي هذا السياق، يبدو واضحا أن الحزب الأكثر حضورا وتأثيرا انتخابيا هو "حزب جبهة العمل الإسلامي"، على الرغم من محدودية عدد أعضاء هيئته العامة التي لا تزيد على 1200 عضو.

هذا الحضور لا يعود إلى الضجيج السياسي أو الإفراط في خطاب الولاء، بل إلى تغلغل اجتماعي وتنظيمي طويل وعميق، يخدم في نهاية المطاف، أجندة الجماعة الأم التي تمثلها هذه الجبهة بوصفها الذراع السياسية لها. من منظور الدولة، هذا النموذج يقدّم تمثيلا فعليا، لكنه تمثيل محكوم بسياق أيديولوجي وتنظيم عالمي، ولا يمكن تعميمه ولا البناء عليه كنموذج وطني جامع.

في المقابل، تدرك القيادة السياسية أن قطاعاً واسعاً من الأحزاب، كبيرة وصغيرة، يُصنَّف في وعي الشارع ضمن ما يُسمّى "أحزاب الدولة". وهي أحزاب لا يختلف أحد معها في مبادئ الولاء والانتماء، ولكن لا يكاد يلاحظ أحد بينها أي اختلاف جوهري في البرامج أو الرؤى، إلى حد يمكن معه دمجها جميعا في حزب محافظ واحد دون أن يشعر الناخب بفارق حقيقي. هذا التشابه لا يخلق تنافسا سياسيا، ولا يثري النقاش العام، بل يعمّق شعور المواطنين بأن التعددية الحزبية شكلية، وأن البرامج لا تعبّر عن خيارات سياسية مختلفة.

أما الأحزاب ذات "الهوية القومية" و"النهج اليساري التقليدي" ذات الجذور الحزبية العربية والمرجعيات الأيديولوجية، فعلى الرغم من حضورها المجتمعي الواضح في الوجدان الأردني، وتاريخها الطويل في تقديم الخطاب السياسي والفكري، إلا أنها لم تعد تمتلك الوزن ذاته في التأثير السياسي أو القدرة الانتخابية. هي اليوم أقرب إلى "أحزاب الحنين السياسي" منها إلى الفعل السياسي الجاد، وهو ما يجعلها، رغم أهميتها في مراحل سياسية سابقة، عاجزة عن لعب أي دور محوري في مشروع الحكومات الحزبية.

وتندرج ضمن الخريطة السياسية، أيضاً، أحزاب الوسط الإسلامي، وهي في معظمها مخلفات الزوابع الأخيرة لانشقاقات حزبية، ومحاولات متواضعة لخلق بدائل معتدلة عن حزب الإسلام السياسي التقليدي الذي تمثله جبهة العمل الإسلامي. ويمكن تسمية هذه الأحزاب بـ "أحزاب التيار المحافظ الإسلامي". وهي أحزاب لم تنجح في بناء قاعدة اجتماعية صلبة، وبقي تأثيرها محدودا، ويتقدم على وقع عوامل حزبية واجتماعية خارجها لا بحكم قوتها الذاتية، ما يجعلها أقرب في موقعها العملي إلى التيار المحافظ العام في الحياة السياسية، دون خصوصية واضحة.

في السياق نفسه، برز ما يُعرف بتيار وسط اليسار Center-Left الذي يتبنى الديمقراطية الاجتماعية، التي تدعو إلى مبدأ "اقتصاد السوق الاجتماعي"، الأصلح للتطبيق في دول الرفاهية الاقتصادية، ذات الموارد الكبيرة، ولا يناسب "الاقتصاد الصغير الاتكالي". وهو تيار سياسي ضعيف، وإن كان يحمل أفكاراً جذابة في ظاهرها، لكن تشكله على عجل، وفي بيئة تنظيمية غير منسجمة فكرياً ولا تنظيمياً، جعلت من ضعف تأثيره في المجتمع نتيجة واقعية. وقد كشفت الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2024 محدودية هذا التيار وضآلة حضوره، حيث فشل، رغم الإئتلاف بقائمة واحدة، في الفوز ولو بمقعد وحيد، بل لم يتمكن من ملء القائمة الوطنية العامة بسبب ضعف الخبرة في التنظيم، إضافة إلى الصراعات الشخصية بين قياداته.

لكن القراءة الملكية لا تتوقف عند توصيف الأحزاب؛ بل تمتد إلى البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها. الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الأحزاب، مهما رفعت من شعارات وبرامج، لا تفوز في الانتخابات إلا إذا حظي مرشحوها بدعم اجتماعي تقليدي؛ فالعشيرة، في نهاية المطاف، لا تنتخب الحزب ولا تقرأ برنامجه، بل تنتخب ابن العشيرة، بغض النظر اسم حزبه واللون السياسي الذي يحمله. وفي هذه المعادلة، يصبح الحزب مستفيدا من "التمثيل الاجتماعي" لا صانعا لـ "التمثيل السياسي"، وهو ما يفرغ الفكرة الحزبية من جوهرها.

الأخطر من ذلك أن قطاعاً واسعاً من الأردنيين يختار، دائما، البقاء خارج العملية الانتخابية برمّتها. هذا الامتناع لا يمكن قراءته كحالة لامبالاة أو ضعف انتماء وطني؛ بل بوصفه موقفا واعيا ولا يشعر هؤلاء بأن هذه الأحزاب تمثلهم. هؤلاء المواطنون مؤمنون بضرورة التحديث السياسي، لكنهم يرفضون الضجيج الحزبي الخالي من المعنى، ويكتفون بولاء هادئ وراسخ للوطن والملك.

من هنا، تبدو الأزمة الحقيقية ليست أزمة أحزاب فحسب؛ بل أزمة انتقال تاريخي أي انتقال مجتمع من "التمثيل الاجتماعي"، القائم على رابطة الدم إلى التمثيل السياسي الحزبي القائم على الأفكار والبرامج الوطنية القابلة للتنفيذ ضمن ممارسة ديمقراطية نزيهة.

ومن هنا، يمكن القول إن طروحات حزبية جديدة ستظهر حتما في الحياة السياسية الحزبية الأردنية، كنتيجة طبيعية لفراغ تمثيلي قائم ولا تملؤه الأحزاب الحالية. هذه الطروحات ستعبّر عن أصوات أردنيين لم يجدوا أنفسهم في هذا الفضاء الصاخب، وستتشكّل من أولئك الذين ظلوا خارج صناديق الاقتراع، لا عزوفا عن الواجب الوطني، بل احتجاجا صامتا على أدوات لا تمثلهم.

هكذا، يمكن فهم الخريطة الحزبية كما يراها الملك: مشهد حزبي متنوع شكلا، ومحدود الأثر، تحكمه بنية اجتماعية لم تنتقل بعد بالكامل إلى السياسة. وفي هذا المشهد، فإن الرهان الملكي يعتمد على وعيٍ جديد يتشكّل وحياة حزبية تنضج، ومجتمع يتعلّم تدريجيا أن يمثل نفسه سياسيا وثقافيا عبر قنوات حزبية دستورية، وليس من خلال التمثيل الاجتماعي التقليدي.

مدار الساعة ـ