أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخلايلة يكتب: ملكٌ لن يظهر له مثيلٌ مهما كانت الحاجةُ ماسةً إليه


لورنس عثمان سالم الخلايله

الخلايلة يكتب: ملكٌ لن يظهر له مثيلٌ مهما كانت الحاجةُ ماسةً إليه

مدار الساعة ـ

في ذكرى ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، لا يجوز أن تُختزل المناسبة في كلمات تهنئة تقليدية أو عبارات مجاملة عابرة، فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام قائد شكّل حالة سياسية استثنائية في إقليم يموج بالاضطراب، وأثبت أن القيادة الحقيقية تُقاس بالثبات على الموقف، لا بتبدّل الخطاب، وبالقدرة على حماية الدولة، لا بإرضاء القوى المتصارعة.

إن عيد ميلاد جلالة الملك هو مناسبة وطنية بامتياز، لأن هذا الملك لم يكن يومًا خارج المشهد، ولم يقف على الحياد حين كان الصمت خيانة، ولم يساير حين كانت المسايرة ثمنها الوطن. قاد الأردن في مرحلة تاريخية كانت فيها المنطقة تُعاد صياغتها بالدم، وتسقط فيها دول وتتفكك جيوش، بينما بقي الأردن صامدًا، ليس لأن الظروف كانت سهلة، بل لأن القرار كان صلبًا، ولأن في رأس الدولة ملكًا يعرف خطورة المرحلة وحدود الممكن وحدود الممنوع.

جلالة الملك عبدالله الثاني مارس السياسة بمعناها الحقيقي: حماية السيادة وصون القرار الوطني، ورفض الارتهان مهما تعاظمت الضغوط الخارجية أو تعددت أدواتها. لم يسمح أن يكون الأردن ساحة صراع بالوكالة، ولا ورقة تفاوض على حساب شعبه، ولا تابعًا في محور، بل دولة مستقلة بقرارها، واضحة بثوابتها، حازمة في خطوطها الحمراء.

وفي القضايا الكبرى، لم يكن موقف جلالة الملك ترفًا سياسيًا، بل التزامًا أخلاقيًا وتاريخيًا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي حملها كواجب لا يقبل المساومة. فقد وقف في الدفاع عنها في زمن تراجع فيه الكثيرون، وارتفعت فيه كلفة قول الحق. لم تغيّره التحالفات، ولم تُربكه الضغوط، ولم تُسقطه الإغراءات، فبقي ثابتًا حين تهاوت المواقف، وصريحًا حين اختار آخرون الغموض.

أما داخليًا، فقد أدرك جلالة الملك أن قوة الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات، وأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُحمى بالعدل، وأن بقاء الأردن لا يتحقق إلا بدولة قانون، وهيبة نظام، وحماية النسيج الوطني من العبث والفوضى وخطاب الفتنة. ولذلك، كان حاسمًا في مواجهة كل من حاول العبث بأمن الوطن أو استغلال الأزمات لضرب استقراره.

إن محبة الأردنيين لجلالة الملك ليست عاطفة موسمية، بل قناعة سياسية وشعبية، مبنية على تجربة طويلة أثبت فيها هذا القائد أنه لم يخذل شعبه، ولم يهرب من المسؤولية، ولم يختبئ خلف الأعذار. ملك واجه الواقع كما هو، واتخذ القرار الصعب حين كان القرار السهل هو الهروب أو المسايرة.

ومن هنا، وبلا تردد، يمكن اختصار التجربة الأردنية الحديثة بجملة واحدة لا تحتمل التأويل:

ملكٌ لن يظهر له مثيلٌ مهما كانت الحاجةُ السياسيةُ ماسةً إليه.

ليس لأن الحاجة تصنع القادة، بل لأن القادة الحقيقيين يُختبرون تحت الضغط، ويثبتون حين تتكسر المعادلات، ويصمدون حين تفشل أدوات الابتزاز. فجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لم يكن خيارًا بين بدائل، بل ضرورة وطنية، وحالة قيادية فرضت نفسها بالثبات على القرار، وبالقدرة على حماية الدولة في أكثر المراحل تعقيدًا وخطورة.

لقد أثبتت السنوات، بما لا يقبل الجدل، أن غياب هذا النوع من القيادة لا يُعوَّض، وأن الفراغ الذي قد يتركه القادة الكبار لا تملؤه الشعارات ولا التحالفات المؤقتة. فالأردن لم يصمد لأنه محظوظ، بل لأنه كان محكومًا بعقل دولة، لا بردود أفعال، وبقائد يعرف أن التنازل في اللحظة الخطأ قد يكون ثمنه وطنًا كاملًا.

حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأمدّه بالصحة والعافية وطول العمر، وأبقاه صمّام أمانٍ للدولة الأردنية، وقائدًا لا يُستنسخ، ولا يُعوَّض، ولا يظهر له مثيل، مهما كانت الحاجة السياسية ماسة، ومهما تغيّرت الظروف وتبدّلت الضغوط.

لورنس عثمان سالم الخلايلة

مدار الساعة ـ