في العيد الرابع والستين لميلاد جلالة الملك، من كل عام، نستذكر الكثير من إنجازات جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه. وفي هذا العام، علينا أن نخرج من الإطار التقليدي للاحتفال بهذه المناسبة لقائد الوطن؛ كيف لا، وهو يجوب العالم من مشرقه إلى مغربه، ومن شماله إلى جنوبه، حاملاً معه همّ الوطن على وجه الخصوص، والقضايا العربية والإسلامية على وجه العموم، وعلى رأسها وفي مقدمتها القضية المحورية، القضية الفلسطينية.
وذلك في أجواء غير طبيعية، في عالم غير آمن ولا مستقر، وفي ظل تطورات سريعة تفرض واقعًا جديدًا على الأردن والمنطقة بأسرها. إذ يبذل جلالة الملك جهودًا كبيرة ومضنية لإبراز الأردن بموقعه ومواقفه المؤثرة في المنطقة، والتي يفرضها الموقع الجغرافي بوجود الأردن في قلب العاصفة، في إقليم مليء بالصراعات والتناقضات، فرضتها وتفرضها ظروف دولية يتحكم بها نظام القطب الواحد.وبجردة حساب، لو استعرضنا هذا العام الموقف السياسي الأردني، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، في مختلف القضايا العربية، بما فيها القضية الفلسطينية، وما حصل من تطورات منذ عامين في قطاع غزة، وبعض القضايا العربية الأخرى، وموقف جلالة الملك منها، لوجدنا أنه يعبر عن سياسة حكيمة لا تخلو من قرارات جريئة، تدعم هذه القضايا العربية بما يعكس المواقف الثابتة للأردن تجاهها.ففي الثلاثين من كانون الثاني من كل عام، وفي عيد ميلاد جلالة الملك، نلقي الضوء من خلال قراءة في المواقف القومية والعربية لجلالة الملك عبد الله الثاني. وفي هذا العام والعام المنصرم، لا يبدو الاستذكار تقليديًا، ولا تليق المناسبة بالاكتفاء بسرد إنجازات معتادة، بقدر ما تفرض علينا قراءة معمقة في مواقف سياسية قومية عربية شكّلت عنوانًا لنهج أردني ثابت، في عالم مضطرب، وإقليم يزداد اشتعالًا، ونظام دولي تحكمه معادلات القطب الواحد، وسياسات فرض الأمر الواقع دون أي اعتبار لكثير من القوانين الدولية في العديد من القضايا العالمية والعربية.وكلنا نقدّر الجهود التي بذلها ويبذلها جلالة الملك منذ تسلمه سلطاته الدستورية عام 1999، حيث خطا بالأردن خطوات شاملة في مختلف المجالات نحو الرقي، للوصول به إلى شاطئ الأمان.لقد كان العام الماضي عامًا استثنائيًا بكل المقاييس، سياسيًا وأمنيًا، حيث واصلت القضية الفلسطينية تصدّرها للمشهد، وسط حرب مفتوحة على قطاع غزة وتداعياتها الإقليمية، ومحاولات تصفية الحقوق الفلسطينية تحت عناوين أمنية وإنسانية زائفة. وفي خضم ذلك، برز الموقف الأردني، بقيادة جلالة الملك، بوصفه أحد أكثر المواقف وضوحًا وثباتًا وجرأة على المستويين العربي والدولي.فلسطين أولًا… موقف لا يقبل المساومة أو المهادنةخلال عام 2025، واصل جلالة الملك عبد الله الثاني تحركاته السياسية المكثفة دفاعًا عن القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية، رافضًا أي محاولات لفرض حلول على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.وشكّل خطاب جلالته في مختلف المحافل والمنابر الدولية موقفًا واضحًا وصريحًا ضد الحرب على قطاع غزة، وضد سياسات التهجير القسري، ومحاولات تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي، سواء في القطاع أو في الضفة الغربية والقدس.ولم يكن الموقف الأردني موقفًا إعلاميًا أو عاطفيًا، بل سياسيًا واضح المعالم، قائمًا على:رفض التهجير بكافة أشكاله وطرقه.التمسك بحل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية، بما يضمن قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.التأكيد على الوصاية الهاشمية، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.المطالبة المستمرة بتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية.سيبقى الأردن في قلب العاصفة، في إقليم يعج بالصراعات والتجاذبات، حيث أثبت جلالة الملك أن السياسة الأردنية ليست سياسة حياد سلبي، بل سياسة توازن مدروس، تحمي المصالح الوطنية العليا، وتدافع عن القضايا القومية دون انخراط في محاور أو مغامرات.وقد تعامل جلالته مع تداعيات الحرب على غزة والاضطرابات الإقليمية بمنهجية سياسية واضحة، تجمع بين الصراحة والواقعية، فحافظ الأردن على دوره كدولة محورية مؤثرة، قادرة على إيصال صوت عربي عقلاني إلى مراكز القرار الدولية، دون التفريط بثوابته.كما عبّر جلالة الملك خلال عام 2025 عن مواقف واضحة تجاه عدد من القضايا العربية، انطلقت جميعها من مبدأ احترام سيادة الدول، واحترام إرادة الشعوب فيها، ورفض الفوضى، والحفاظ على وحدة المجتمعات العربية، مع التأكيد المستمر على أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون حلول سياسية عادلة، بعيدًا عن منطق القوة والإقصاء.خلاصة الموقففي عيد ميلاد جلالة الملك الرابع والستين، لا تُقرأ المناسبة بوصفها محطة احتفالية فقط، بل وقفة سياسية أمام نهج قيادي هاشمي، أثبت جلالة الملك خلاله أن الأردن، رغم كل التحديات والضغوط، بقي حاضرًا، مؤثرًا، وصاحب موقف لا يتبدل. ولم تكن هذه المواقف مجرد ردود فعل آنية، بل امتدادًا لسياسة هاشمية راسخة، ترى في العدالة أساس الاستقرار وأساس المُلك، وأن الثبات على المبدأ مصدر قوة لا ضعف.ابو زيد يكتب: في العيد الرابع والستين.. مواقف ملكية راسخة في زمن العواصف
العميد المتقاعد حسن فهد أبو زيد
ابو زيد يكتب: في العيد الرابع والستين.. مواقف ملكية راسخة في زمن العواصف
مدار الساعة ـ
