يشكل يوم ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، يحفظه الله ويرعاه، مناسبة تستعيد فيها الدولة الأردنية مسيرتها الممتدة عبر النهج الهاشمي الذي حمل راية العدل والرحمة، وشيّد دولة قائمة على القيم الإسلامية الراسخة، وصان كرامة الإنسان وحقوقه. وفي هذا اليوم، يستحضر الأردنيون الأساس الأخلاقي والديني الذي قامت عليه العلاقة بين القيادة والشعب، وهي علاقة تأسّست على الثقة والالتزام المتبادل، وعلى وعي راسخ برسالة الدولة ودورها التاريخي في المنطقة.
وتتجلى هذه المناسبة العزيزة بوصفها رمزًا لاستمرار نهضة الدولة الحديثة، إذ يربط الأردنيون بين ميلاد قائدهم وبين مسيرة دولة لم تنقطع عن البناء والتطوير، ورسخت هويتها الوطنية والدينية في انسجام فريد. فالميلاد الميمون فرصة لاستحضار معنى القيادة التي ورثت عزها جيلًا بعد جيل في الدوحة الهاشمية، لتقدّم للأردنيين نموذجًا للحكمة السياسية والرؤية الملهمة والاستعداد الدائم لمواجهة التحديات بثبات واقتدار.يستنهض الأردنيون في هذا اليوم الهمم للمضي قدمًا وفق ما أرساه جلالة الملك من رؤية واضحة للتحديث الوطني، رؤية أعادت تعريف دور الدولة، ووسّعت آفاقها السياسية والاقتصادية والإدارية، وجعلت الإنسان الأردني محورها وقلبها. فقد تأسست مسارات التحديث على سيادة القانون، وتعزيز العمل المؤسسي، ورفع كفاءة القطاع العام، وتمكين المجتمع من مواجهة التحولات السريعة التي يشهدها العالم. هذه الرؤية التي توائم بين الثوابت والمتغيرات، وبين الإرث الهاشمي ومتطلبات العصر، شكلت بيئة تمكن مؤسسات الدولة من القيام بأدوارها الوطنية بثقة وفاعلية، ومساندة قضايا الأمة العادلة والذود عن الحق بشجاعة واقتدار، والوقوف إلى جانب أصحاب الحق ومساندتهم وخصوصًا أهلنا في فلسطين وغزة هاشم.نستحضر اليوم بالعز والفخار العناية والرعاية الهاشمية لجهاز القضاء الشرعي، منذ تأسيس الدولة الأردنية، فكان ولا زال ليومنا هذا ركنًا أصيلًا من أركان منظومة الأمن الاجتماعي، لما يقوم به من دور في صون الأسرة، وحماية الحقوق، وترسيخ العدل بين الناس. فأدركت دائرة قاضي القضاة مبكرًا أن مسؤوليتها تتجاوز الإطار القضائي التقليدي لتصبح جزءًا من مشروع الدولة في تعزيز الاستقرار الاجتماعي. فجاء تطوير التشريعات والإجراءات، والتحول الرقمي، وبرامج الإصلاح الأسري، وصندوق تسليف النفقة، والربط الإلكتروني مع المؤسسات الوطنية، كلها خطوات تعكس التزام القضاء الشرعي بدوره الحيوي في حماية الأسرة وتحقيق العدالة الاجتماعية.وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، يدرك القضاء الشرعي دوره كمنظومة تجمع بين أحكام الشريعة الإسلامية، والاجتهاد المنضبط، والقدرة المؤسسية على التطوير، دون أن تفرط في الثوابت التي قامت عليها. فأساليب الوساطة الحديثة، والتجارب الدولية في تسوية النزاعات الأسرية، والتحولات الرقمية في الخدمات في دائرة قاضي القضاة، كلها أصبحت جزءًا من العمل المؤسسي وفق التوجيهات الملكية، وتقدم ضمن إطار الهوية الوطنية والدينية للدولة الأردنية.وتستعيد الدولة في هذا اليوم حقيقة راسخة مفادها أن بناء الدولة الحديثة يبدأ من سيادة القانون، ومن ضمان العدالة والمساواة، ومن حماية الإنسان وتمكينه ليكون شريكًا فاعلًا في صناعة المستقبل. وعلى هذا الأساس، يواصل القضاء الشرعي دوره كشريك أصيل في بناء دولة عادلة، من خلال قضاء نزيه مستقل يعلي قيمة الرحمة، ويحقق ميزان العدل، ويحفظ مقاصد الشريعة في حماية الإنسان والأسرة، ويتفاعل مع حاجات المجتمع بنهج مؤسسي يتسق مع رؤية الدولة وتوجهاتها.يدخل الأردن عامًا جديدًا من عهد جلالة الملك وهو أكثر رسوخًا وأعمق وعيًا وأقوى حضورًا في مواجهة التحديات. وتواصل المؤسسات الوطنية تطوير أدواتها وتعزيز جاهزيتها بما يترجم الرؤية الملكية إلى إنجازات ملموسة، ويمنح الدولة القدرة على مواصلة دورها التاريخي في هذه المنطقة المضطربة من العالم. إن رمزية هذه المناسبة تتمثل في إلهام الأردنيين ورفع عزيمتهم وتأكيد استمرار التطلع إلى المستقبل، مستقبل ترسم ملامحه رؤية ملكية مسددة، ويقوم على ثوابت الدولة وأصالتها.وفي هذا اليوم الغالي على قلوب الأردنيين جميعًا، نرفع لمقام حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، أسمى آيات التهنئة والتبريك، سائلين الله عز وجل أن يمد جلالته بموفور الصحة والعافية، وأن يحفظ الأردن في ظل قيادته الحكيمة، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار والازدهار، وكل عام وجلالة الملك والوطن والشعب الأردني بألف خير.
