أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عباسي تكتب: حين يواصل جلالة الملك الإيمان بالشباب… شهادة من تجربة


د. هبة عباسي
قسم الموسيقى - كليّة الفنون والتصميم - الجامعة الأردنيّة

عباسي تكتب: حين يواصل جلالة الملك الإيمان بالشباب… شهادة من تجربة

د. هبة عباسي
د. هبة عباسي
قسم الموسيقى - كليّة الفنون والتصميم - الجامعة الأردنيّة
مدار الساعة ـ

عندما نتأمّل في جوهر تطوّر الثقافة والفنون في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه نجده لا يُختصر في عدد المؤسّسات أو الفعاليّات أو المبادرات فقط، بل يتجسّد في المقام الأوّل في الأثر الإنساني العميق الذي تركته هذه الرؤية في جيلٍ كاملٍ من الشباب، وجد نفسه شريكا فاعلًا في مشروعٍ وطنيّ آمن به واستثمر في وعيه وقدراته على التفكير والعطاء والإبداع.

أكتب هذه السطور ليس بوصفها شهادةً شخصيّة واعية للانتماء الوطنيّ العام فقط، ولا باعتبارها سيرة ذاتيّة، بل تجربة شخصيّة تشكّلت في لحظة مفصليّة من تاريخنا الحديث، حين فُتِحَت أمامنا كشباب مساحات حقيقيّة داعمة للمشاركة والحوار البنّاء، حيث لم تعد الثقافة والفنون نشاطات هامشيّة، بل مداخل تكامليّة للفهم والعلم والتعلّم، وبوّابة للانتماء الحقيقي والتربية المدنيّة، ومسؤوليّة تُمارس.

في مطلع الألفيّة الجديدة، وتحديدًا عام 2003، أُتيحَ لي شرف المشاركة في الملتقى الوطنيّ الأوّل لشباب الأردنّ، الذي عُقد في البحر الميت برعاية ملكيّة سامية من جلالة الملك عبدالله الثاني، وبحضور وزراء ونوّاب وأعيان وصنّاع قرار، حيث جمع الملتقى في ذلك الوقت، نخبة من شباب وشابّات الوطن في حوار مباشر مع القيادة السياسية. لم يكن اللقاء بروتوكوليًّا أو عابرًا، بل محطة وطنية صادقة، أُصغي فيها إلى آرائنا كشباب في المواضيع الثقافيّة والسياسيّة والمجتمعيّة باحترام واهتمام حقيقيين، ممّا رسّخ في داخلي، كما في نفوس كثيرين، قناعة مبكّرة بأن الانتماء ليس شعارًا يُرفع، بل وعيٌ يُبنى، ودورٌ يُمارَس.

Madar Al-Saa Images 0.8108359925516113

صورة من صحيفة الدستور الأردنيّة 19/3/2003 للملتقى الوطني الأول لشباب الأردن – البحر الميت

لم تتوقف آثار تلك المرحلة عند حدود الحوار، بل امتدّت إلى الفعل الثقافيّ والفنيّ على أرض الواقع. فقد شهدت الحياة الثقافية الأردنية آنذاك حراكًا واضحًا، تجلّى في دعم الفعاليات الوطنية الكبرى، وفي مقدّمتها مهرجان جرش للثقافة والفنون، وفي حضور المؤسّسات الأكاديمية والفنية على منصّاته، بوصف الفن جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية الجامعة. في هذا السياق، لم يكن الحضور الثقافي مجرّد متابعة، بل مشاركة فعلية تُترجم القناعة إلى ممارسة، وتحوّل الثقافة من خطاب إلى فعل.

Madar Al-Saa Images 0.10315779614880127

صورة من صحيفة العرب اليوم 27/7/2002 مشاركة فنية في مهرجان جرش للثقافة والفنون

وفي الإطار نفسه، شكّل مهرجان الأغنية الأردنية الأول محطة مفصلية في مسار الأغنية الوطنية، بوصفه مشروعًا أُطلق برعاية ملكية سامية، بهدف اكتشاف الأصوات الشابة، ودعم الإبداع الأردني، وبناء مشهد موسيقي يعكس الهوية ويمنحها مساحة حضور حقيقية. وقد كان لي شرف المشاركة في الدورة الأولى من هذا المهرجان، في تجربة لم تكن مجرد ظهور فني، بل انخراطًا واعيًا في مشروع ثقافي وطني آمن بأن الموسيقى والفنون أدوات بناء، وبأن تمكين الشباب فنيًا هو جزء لا يتجزأ من تمكينهم مجتمعيًا. تركت تلك التجربة أثرًا عميقًا في وعيي، ورسّخت قناعتي بأن الفن ليس ممارسة فردية معزولة، بل فعل وطني تراكميّ، وبأن الرعاية الملكية للثقافة ليست دعمًا ظرفيًّا، بل رؤية بعيدة المدى تصنع مسارات طويلة الأثر.

Madar Al-Saa Images 0.743811170303126

صورة من صحيفة الدستور الأردنيّة 2/9/2001 مشاركة في الدورة الأولى لمهرجان الأغنية الأردنية – برعاية ملكية سامية

وفي خضم هذا المناخ الداعم، أُتيحت لي فرصة ثمينة عبر صندوق الملك عبدالله الثاني، بعد أن حققت المركز الأول في تخصصي، للحصول على بعثة دراسيّة كاملة لاستكمال دراستي الموسيقية في الولايات المتحدة الأمريكيّة. كانت تلك الفرصة تعبيرًا صريحًا عن إيمان الدولة بالشباب وبأهميّة الاستثمار في التخصّصات النوعيّة. غير أن ظروف تلك المرحلة، وقلق الأهل الطبيعي، وقلة الدراية المجتمعيّة آنذاك بطبيعة هذه الفرص، حالت دون إتمام البعثة، فانتقلت إلى شخص آخر. لم تكن تلك اللحظة سهلة، لكنها لم تتحوّل إلى نهاية للحلم، بل إلى تأجيل واعٍ لمسارٍ آمنت به، واختبار حقيقي لمعنى الصبر والإصرار، بعيدًا عن التوقيت والظرف.

مرّت السنوات، وتقدّمت المسؤوليات، بين الزواج وتربية الأبناء، لكن الإيمان بالعلم، وبقيمة العمل، وبأهميّة التخصّص، لم يتراجع. ومع نضج الفكرة لديّ، وتحوّل التجربة من حلمٍ فرديّ إلى وعيٍ أوسع، عاد الحلم ليأخذ شكله الطبيعي، مدعومًا بوعي أعمق وإرادة أكثر رسوخًا. واصلت دراساتي العليا، وتقدّمت في مساري الأكاديمي بامتنانٍ كبير لكلّ ما تحقّق، لأجد نفسي اليوم أُدرّس في الجامعة الأردنيّة، الجامعةُ الأمّ والحاضنة للأجيال الشابّة، وتحديدًا في كلية الفنون والتصميم، أنقل إلى طلبتي ما تعلّمته علمًا وخبرة، وما تشكّل داخلي من حبّ للعمل، وانتماءٍ للوطن، وإيمان بدور الثقافة والفنون في بناء الإنسان والمجتمع.

أدرك اليوم، بعد هذه الرحلة، أنّ التجربة التي عشتها ليست حالة فرديّة معزولة، بل نموذجًا لما زَرَعتهُ الرؤية الملكيّة في جيلٍ كامل؛ جيلٍ آمن بأن الطريق قد يطول، لكنّ البوصلة تبقى ثابتة، وبأن خدمة الوطن لا ترتبط بمرحلة عمريّة أو فرصة واحدة، بل بإرادة مستمرّة، ووعي متجدد، وشعور صادق بالمسؤوليّة.

وفي مناسبة عيد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني، تأتي هذه الكلمات بوصفها وقفة تأمل في الأثر، لا احتفاءً شكليًّا. أثر رؤية آمنت بالإنسان، ومنحت الشباب الثقة في وقت مبكّر، وفتحت أمامهم الأفق للحلم والعمل معًا. وهي رؤية تتجدّد اليوم وتستمر، في انسجام واضح مع رؤية ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، التي تضع الشباب في قلب المشروع الوطنيّ، وتدعوهم إلى الانخراط الواعي في العمل السياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ، بوصفهم شركاء في الحاضر وصنّاعًا للمستقبل.

شكرًا جلالة سيّدنا، لأن الثقة حين تُمنَح في وقتها، تصنع أجيالًا تعرف طريقها، وتؤمن بدورها، وتبقى وفيّة لوطنها.

مدار الساعة ـ