أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

البستنجي يكتب: من المعلّم القائد إلى المدرسة المتعلّمة


إياد يوسف البستنجي

البستنجي يكتب: من المعلّم القائد إلى المدرسة المتعلّمة

مدار الساعة ـ

سلسلة مقالات بداية العام الدراسي الجديد

المرحلة السابعة: من التمكين الذاتي إلى التأثير التربوي

المقال الخامس:

مجتمع التعلّم المهني (PLC)

من المعلّم القائد إلى المدرسة المتعلّمة.

لماذا لم يعد التميّز الفردي كافيًا؟

لقد كشفت التحديات التعليمية المعاصرة، وتسارع المعرفة، وتنوّع احتياجات المتعلمين، أن الجهود الفردية – مهما بلغت جودتها – تظل محدودة الأثر ما لم تُسند بتعاون مهني منظم ورؤية مشتركة. فالتمكين الذاتي يمثّل نقطة الانطلاق في المسار المهني للمعلم؛ حيث يبني كفاءته، ويطوّر أدواته، ويُحسن ممارساته الصفية، غير أن القيادة التربوية الحقيقية تبدأ عندما يوسّع المعلم دائرة أثره، فيحوّل خبرته الفردية إلى معرفة مشتركة، وجهده الشخصي إلى قيمة مضافة يتقاسمها مع زملائه.

في هذه المرحلة، لا يعود المعلم منفّذًا للمنهج فحسب، بل يصبح قائدًا تربويًا فاعلًا يسهم في بناء ثقافة مدرسية تتعلّم باستمرار، وتجعل من التطوير المهني مسؤولية جماعية، لا ممارسة فردية معزولة. ومن هنا، يبرز مجتمع التعلّم المهني (PLC) بوصفه مدخلًا تربويًا فاعلًا ينقل المدرسة من فصول تعمل بمعزل عن بعضها، إلى منظومة تعلّم حيّة تنمو من داخلها.

أولًا: مفهوم مجتمع التعلّم المهني (PLC)

مجتمع التعلّم المهني (Professional Learning Community) هو ثقافة عمل تربوية تقوم على:

تعاون مهني مستمر ومنظّم بين المعلمين.

تعلّم تشاركي قائم على تحليل الممارسات الصفية ونتائج تعلّم الطلبة.

تبادل الخبرات وتحويلها إلى معرفة تطبيقية قابلة للتطوير والتعميم.

رؤية مشتركة تجعل تحسين التعلّم أولوية جماعية.

وهو ليس اجتماعًا عابرًا، ولا إجراءً إداريًا، ولا مشروعًا مؤقتًا، بل ممارسة مهنية يومية تُدمج فيها روح الفريق، والحوار البنّاء، وتحليل النتائج، والسعي الدائم للتحسين.

«المعلّم الذي يتعلّم مع زملائه، يوسّع أثره، ويضاعف أثر مدرسته».

ثانيًا: المعلّم القائد داخل مجتمع التعلّم المهني

القيادة التربوية داخل PLC ليست منصبًا إداريًا، بل سلوكًا مهنيًا واعيًا يقوم على الإلهام، وبناء الثقة، وتمكين الآخرين. فالمعلّم القائد:

يتقاسم خبراته مع زملائه بروح الشراكة لا التميّز الفردي.

يشجّع التجريب والابتكار في بيئة آمنة تتقبّل الخطأ بوصفه فرصة للتعلّم.

يقود بالممارسة والنموذج، لا بالأوامر والتوجيه المباشر.

يبني علاقات مهنية قائمة على الاحترام، والحوار، والدعم المتبادل.

وفي هذا السياق، يصبح الأثر أعمق وأكثر استدامة؛ لأن القائد الحقيقي هو من يصنع قادة، لا تابعين.

ثالثًا: فرق مجتمع التعلّم المهني

من الخبرة الفردية إلى الفاعلية المشتركة

عندما ينتقل المعلمون من العمل الفردي إلى الممارسة ضمن فرق تعلّم مهنية:

تتحول التجارب الصفية إلى مادة للنقاش والتحسين.

تُبنى الخطط الدراسية والمشاريع التعليمية بجهد تشاركي يعكس تنوّع الخبرات.

تتحول الاجتماعات المهنية من إجراءات روتينية إلى منصات تحليل وتأمل وتعلّم.

مثال تطبيقي:

أن يجتمع فريق الرياضيات لتحليل نتائج اختبار تشخيصي، فيحدّد مواطن الضعف، ويصمّم استراتيجيات تدريس مشتركة لمعالجتها، ثم يقيس أثرها في الحصص اللاحقة.

وهكذا تنتقل المدرسة من معلمين يعملون بشكل متوازٍ، إلى مجتمع تعلّم مهني يتعلّم فيه الجميع من الجميع، وتغدو الخبرة المشتركة مصدرًا دائمًا للنمو والإلهام.

رابعًا: سمات مجتمع التعلّم المهني الفعّال

يتميّز مجتمع التعلّم المهني الناجح بعدد من السمات الجوهرية، من أبرزها:

التركيز على تحسين تعلّم الطلبة لا على الإجراءات الشكلية.

ثقافة الثقة والدعم المتبادل.

الحوار المفتوح والنقد البنّاء.

تحليل الأداء والنتائج التعليمية بصورة مستمرة.

تحويل الخبرات الفردية إلى ممارسات قابلة للتعميم.

الاهتمام المتوازن بنمو المعلّم والطالب معًا.

خامسًا: ممارسات وأدوات داعمة لمجتمع التعلّم المهني

لتحويل PLC من إطار نظري إلى ممارسة واقعية، يمكن اعتماد عدد من الأدوات والاستراتيجيات الداعمة، من أهمها:

اجتماعات مهنية منتظمة ذات أهداف واضحة لتحليل تعلّم الطلبة.

التخطيط المشترك للدروس والمشاريع التعليمية.

تحليل الدروس والممارسات الصفية بصورة جماعية.

المنصات الرقمية للتعاون المهني مثل: Microsoft Teams، Zoom، Padlet.

ملفات إنجاز جماعية توثّق المبادرات والتجارب الناجحة.

التقييم التشاركي وتبادل التغذية الراجعة المهنية بهدف التحسين المستمر.

هذه الممارسات لا تهدف إلى التنظيم فحسب، بل تسعى إلى تعميق الأثر المهني وضمان استدامته.

سادسًا: دور القيادة المدرسية والمشرف التربوي

لا يكتمل نجاح مجتمع التعلّم المهني دون بيئة مدرسية داعمة تؤمن بالعمل التشاركي. فالقيادة المدرسية الواعية:

تمنح الثقة للمعلمين وتشجّع المبادرات التربوية.

تتيح الوقت والمساحة للحوار المهني والتعلّم المشترك.

تحتفي بالإنجازات الجماعية وتقدّر الجهود التعاونية.

وعندما تتكامل أدوار قائد المدرسة، والمعلّم القائد، والمشرف التربوي، يتحول التطوير المهني إلى مسار مؤسسي مستدام، لا إلى مبادرات فردية عابرة.

سابعًا: أثر مجتمع التعلّم المهني على الطلبة

عندما يتعلّم المعلّمون معًا، ينعكس ذلك مباشرة على الطلبة من خلال:

تنوّع أساليب التدريس وتحسّن جودتها.

بيئة صفية أكثر تفاعلًا وابتكارًا.

تعلّم أعمق يربط المعرفة بالتطبيق.

تنمية مهارات التفكير النقدي، والعمل التعاوني، وتحمل المسؤولية.

فالمدرسة التي يتشارك فيها المعلّمون التعلّم، تُخرّج طلبة أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التعلّم المستقل والمشاركة الفاعلة.

ثامنًا: التحديات المحتملة وكيفية تجاوزها

قد يواجه بناء مجتمع التعلّم المهني عددًا من التحديات، مثل:

مقاومة التغيير.

ضيق الوقت وكثرة الأعباء.

اختلاف الخبرات وأنماط التفكير.

ويتجاوز المعلّم القائد هذه التحديات من خلال:

البدء بخطوات صغيرة قابلة للتطبيق.

القيادة بالنموذج قبل التوجيه.

بناء الثقة تدريجيًا.

ترسيخ ثقافة التعلّم المستمر.

? إن الانتقال من التمكين الذاتي إلى الأثر الجماعي يمثّل جوهر القيادة التربوية الحقيقية؛ فالمعلّم الذي يطوّر ذاته، ثم يوسّع دائرة أثره عبر الشراكة المهنية والإلهام، يصبح حجر الأساس في بناء مجتمع تعلّم مهني نابض بالحياة، قادر على تجديد ذاته، وتحقيق تعليم مستدام ذي أثر عميق في المعلّمين والطلبة معًا.

? قاعدة ذهبية:

مجتمع التعلّم المهني هو القلب النابض للمدرسة؛

كل معلّم متعلّم، وكل متعلّم شريك، وكل يوم فرصة جديدة للنمو والإبداع.

مدار الساعة ـ