مدار الساعة - سعد سلوم -
لم يكن رحيل الشركس عن قمم القوقاز مجرد هجرة عابرة، بل كان تهجيرًا قسريًا بلغ ذروته عام 1864، عقب حرب استمرت قرابة مئة عام، ليولد شتاتًا في قلب الشرق الأوسط. هؤلاء هم (الأديغة)، الذي يعني في لغتهم (الإنسان الكامل) أو (صاحب النبل). وزعت خريطة انتشارهم لتشمل تركيا كأكبر تجمعاتهم، ثم الأردن، حيث أعادوا إحياء عمّان عام 1878، وفلسطين في قرى مثل (كفر كما)، بالإضافة إلى سوريا، وصولًا إلى العراق ومصر، حيث تحولوا في هذه الحواضر إلى نسيج حيوي ونخبة إدارية وعسكرية.المحارب النبيلتركز الوجود الشركسي في العراق ضمن حواضر كبرى ومدن وقرى محددة، من بغداد (خاصة في منطقتي الميدان والفضل)، إلى ديالى (قرى السعدية والمنصورية)، وكركوك والموصل، كما أنجبوا قامات وطنية، يتقدمهم الفريق نجيب باشا، ورئيس الوزراء الأسبق حكمت سليمان، والقائد العسكري غازي الداغستاني، ليكونوا بذلك جزءًا من النخبة التي أسهمت في بناء الدولة العراقية.لم يكن حضور الشركس مجرد استقرار جغرافي، بل صياغة لهوية المحارب النبيل، يتجلى ذلك في (التشيركيسكا)، تلك البدلة المهيبة ذات الخصر الضيق والقفطان الطويل، التي صُممت لتمنح الفارس رشاقة الحركة، وتتميز بـ (الغازات) التي تلمع على صدورهم كقطع فنية، وهي في الأصل مخازن بارود دقيقة تُذكّر بأن كل رجل هو مشروع مقاتل دائم الجاهزية. هذه الروح تسري حتى في فنونهم، فرقصة الأصابع الشهيرة ليست مجرد استعراض يشبه الباليه، وإنما إرث من تدريب عسكري قوقازي، صُمم لتمكين المقاتل من التسلل بصمتٍ مطبق فوق رؤوس أصابعه في أحراش الجبال لمباغتة الخصوم.معزوفة كونيةكما تجلت خصوصيتهم في أعمق مكونات هويتهم: لغتهم، هذه اللغة التي لا تشبه غيرها، وتُعد معزوفة كونية تحاكي أصوات الطبيعة الخام، فبين حروفها تسمع حفيف الريح في قمم القوقاز، وهدير تدفق المياه في المنحدرات، وصهيل الخيل الجامحة، ومع وجود لهجات تضم أكثر من 50 حرفًا صامتًا وأصواتًا حنجرية فريدة، استحال على غير أبنائها فك طلاسمها، ما حوّلها إلى نظام تشفير عسكري.لقد استخدم القادة والجنود الشركس لغتهم كشفرة صوتية منيعة، مكنتهم من تداول أدق الخطط الحربية في قلب المعارك والمحافل الرسمية بخصوصية مطلقة، بعيدًا عن مسامع العامة. وهكذا، لم يكن الشركسي يحمل سلاحه في غمده فقط، بل كان يحمل أسلحة خفية في لغته المعقدة، ورقصاته التكتيكية، وزيّه الرمزي، صانعًا بذلك مزيجًا مذهلًا بين الانضباط العسكري الصارم والاندماج الاجتماعي الراقي.نظام صارمولأن بناء المجتمع لدىهم يبدأ من بناء الشخصية، اجترحوا تقاليد اجتماعية قد تبدو غريبة، لكنها تفيض بالحكمة والفروسية، من أغربها نظام (الأتاليقية)، نظام تربوي صارم يقضي بإرسال الأطفال للعيش مع عائلات أخرى بعيدًا عن أحضان والديهم، والهدف، تعليم الناشئة التقشف وفنون القتال والاعتماد على النفس. هذه التنشئة القاسية هي التي تفسر لنا اليوم ذلك الانضباط العسكري الفطري الذي أظهره الشركس، وكأن كل فرد منهم قد تخرج في مدرسة كبرى للصلابة قبل أن ينخرط في المؤسسات الأمنية والسيادية.خطف العروسحتى في هندامهم، كانت القبعة (القالباق) أكثر من مجرد غطاء للرأس، فهي رمز للكرامة والاستشارة، حتى قيل في أمثالهم: إذا لم تجد أحدًا تستشيره، فاستشر قبعتك، في إشارة إلى ضرورة الاختلاء بالنفس وتحكيم العقل قبل اتخاذ القرار. أما في طقوس الحب والزواج، فقد حوّل الشركس الارتباط إلى ملحمة من الشجاعة عبر تقليد (خطف العروس)، وهو ليس اختطافًا بالمعنى الحرفي، بل اتفاق سري ومسرحية بطولية تهدف لإظهار جسارة الشاب وقدرته على حماية شريكة حياته وتجاوز الصعاب من أجلها. هذا التقليد، الذي لا يزال يُمارس رمزيًا في بعض الأعراس، يعكس فلسفتهم في الحياة: أن كل نصر، حتى في الحب، يجب أن يُنال بشرف الفروسية وعزة النفس.جمال قوقازيبموازاة فروسيتهم الصلبة، غدا الجمال الشركسي أيقونة عالمية تجاوزت حدود القوقاز، ففي القرن التاسع عشر، اجتاح مصطلح الجمال القوقازي مخيلة الغرب، حتى تبارى الشعراء، وعلى رأسهم اللورد بايرون، في تخليده. ولم تكن عبقرية بقائهم محصورة في السلاح، بل تجلّت في أدق تفاصيل عيشهم اليومي، فمن الجبنة المدخنة، التي ابتُكرت لتكون زادًا للمسافر يقهر الزمن ولا يعرف العفن، إلى مشروب (البغما) الأسطوري، (المصنوع من الدخن والعسل)، الذي تصفه الملاحم القديمة كهدية من الأبطال للبشر، حوّل الشركس طعامهم إلى وقود للمحاربين يجمع بين اللذة وقوة التحمل.في الختام، يظل الشركس في العراق نموذجًا للمواطنة، حمل معه شموخ الجبال القوقازية ليغرسه في صبر السهول الرافدينية، واهبين أرض السواد مزيجًا نادرًا من صلابة الصخر وعطاء الأنهار.الشركس في العراق.. فرسان الجبال الذين استوطنوا سهل الرافدين
مدار الساعة (الشبكة العراقية) ـ









