أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القرالة تكتب: الوجودُ الجَمْعيُّ في العالَمِ العربيّ

مدار الساعة,أخبار ثقافية,أخبار التكنولوجيا، التقنيات
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتبتغيداء سالم القرالة - أصبحتْ مسألةُ الوجودِ الجَمْعيِّ في العالَمِ العربيِّ من أكثرِ القضايا تعقيدًا في الوقتِ الحاضر، إذ لم تَعُدْ مفهومًا واضحًا ذا ملامحَ ثابتة، وسُرعانَ ما تلاشى خيطُ سيرِها المستقرّ، بل تحوَّلتْ إلى حالةٍ من التَّساؤلِ المستمرّ، امتدَّتْ إلى أعماقِ قلبِ الإنسانِ العربيّ، واستقرَّ فيها سؤالُ: «مَنْ أنا؟».

فالإنسانُ العربيُّ اليومَ يعيشُ شعورًا متزايدًا بالاغتراب؛ لا يقتصرُ على الابتعادِ عن وطنِه فحسب، بل يتجلّى في ذاتِه وأناه، وبين أهلِه ومجتمعِه، ولم يتوقَّفْ صداهُ عند ذلك، بل امتدَّ ليظهرَ اغترابٌ بين روحِه وجسدِه. وهذا التَّشظِّي النَّفسيُّ يعكسُ أزمةً حقيقيّةً في الإحساسِ بالانتماءِ وفهمِ الذّات.

تتكوَّنُ الهويّةُ من مجموعةِ عناصرَ متداخلة، مثل: اللُّغة، والتّاريخ، والدِّين، والعادات، والذّاكرةِ الجَمْعيّة. وفي المجتمعاتِ العربيّة، كانتْ هذه العناصرُ في السّابق تُشكِّلُ حِصنًا منيعًا يمنحُ الفردَ شعورًا بالاستقرارِ والانتماءِ. غيرَ أنّ التَّحوّلاتِ السّياسيّةَ والاجتماعيّةَ التي مرَّ بها العالَمُ العربيّ، بدءًا من الاستعمارِ وصولًا إلى الصّراعاتِ الحديثة، ساهمتْ في إضعافِ هذا الحصن، وأدَّتْ إلى تشكُّلِ هويّةٍ متردِّدةٍ، متذبذبةٍ، وغيرِ مستقرة.

وتظهرُ الغُربةُ الوجوديّةُ في العالَمِ العربيّ بأشكالٍ متعدّدة؛ أبرزُها الاغترابُ السّياسيّ، الذي يتجلّى في انفصالِ الفردِ عن قرارِه الوطنيّ، حيث يشعرُ بأنَّ دورَه محدودٌ، وأنَّ رأيَه غيرُ مؤثِّرٍ في واقعِه، كَمَنْ يُنادي في صحراءَ صمّاء، لا يسمعُ فيها إلّا صداه. كما يظهرُ الاغترابُ الاجتماعيّ في ضعفِ الرّوابطِ الإنسانيّة، والتَّباعدِ النَّفسيّ، وتراجعِ القيمِ المشتركة؛ إذ سرعانَ ما تفكَّكتِ العائلاتُ، وتفشَّتِ النِّزاعاتُ، ممّا يجعلُ الفردَ أكثرَ عزلةً داخلَ مجتمعِه وعائلتِه.

أمّا الاغترابُ الثّقافيُّ، فيتمثَّلُ في ضياعِ الجذورِ الثّقافيّة، والتّقليدِ غيرِ الواعي للثّقافاتِ الأُخرى، الأمرُ الذي يُولِّدُ صراعًا داخليًّا حادًّا؛ فتتشظّى الهويّة، وتتشقَّق، وتختلطُ الدّخيلةُ بالهويّةِ الأصليّة، ويغدو الكيانُ ممزَّقًا بين التّقليدِ والحداثة.

ومع استمرارِ هذه الأشكالِ من الاغتراب، يتحوَّلُ الأمرُ إلى حالةٍ نفسيّةٍ يشعرُ فيها الإنسانُ بانفصالٍ عن ذاتِه، فيغدو غريبًا في وطنِه، وفي عُقرِ بيتِه؛ يعيشُ بلغتِه وتاريخِه بين أُسرتِه، لكنَّه لا يشعرُ بأنَّهما يُعبِّران عنه. ويُعَدُّ هذا النَّوعُ من الاغترابِ الذي لاقته الشّخصيّةُ العربيّةُ الحديثةُ أشدَّ الأنواعِ خطرًا، لأنَّه يُؤثِّرُ في نظرةِ الإنسانِ إلى نفسِه وحياتِه، ويُضعِفُ شعورَه بالمعنى والغاية، فيبدو وكأنَّه يعيشُ في عُقرِ دارٍ عبثيّةٍ صمّاء.

إنَّ الاغترابَ في العالَمِ العربيّ ليس حالةً فرديّة، بل هو نتيجةُ ظروفٍ تاريخيّةٍ، وسياسيّةٍ، وثقافيّةٍ متراكمة. وإعادةُ هيكلةِ الهويّة تتطلَّبُ وعيًا نقديًّا بالواقع، وقدرةً على الموازنةِ بين الأصالةِ والانفتاح، دونَ فقدانِ الخصوصيّةِ أو الوقوعِ في الانغلاق. فالهويّةُ ليست عائقًا، بل عنصرٌ أساسيٌّ يمنحُ الإنسانَ شعورًا بالثّباتِ والانتماءِ.

وفي الختام، يمكنُ القولُ إنَّ أزمةَ الهويّةِ والاغترابِ في العالَمِ العربيّ تُعبِّرُ عن صراعٍ داخليٍّ يعيشه الإنسانُ العربيّ بين ماضيه وحاضره. ويبقى البحثُ عن هويّةٍ متوازنةٍ ضرورةً أساسيّة، لأنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يشعرَ بالانتماءِ الحقيقيّ ما لم يكنْ متصالحًا مع ذاتِه ومع جذورِه.


مدار الساعة ـ