في زمنٍ تتبدّل فيه التحالفات بسرعة، وتُعاد فيه صياغة المفاهيم السياسية تحت ضغط الأحداث، يبرز الحديث عن “مجلس السلام” كأحد المسارات المطروحة لإدارة الصراع في المنطقة، خصوصًا في ظل الحرب المستمرة على غزة وتداعياتها الإقليمية والدولية. غير أن قيمة أي مجلس أو إطار سياسي لا تُقاس بعدد أعضائه، بل بقدرة الأصوات داخله على التأثير وصناعة التوازن. من هنا، يبرز الصوت الأردني كحضورٍ ثابت لا تحكمه اللحظة، بل تحكمه رؤية متراكمة ومواقف راسخة.
لم يكن الأردن يومًا طرفًا هامشيًا في معادلة السلام، ولا لاعبًا يتغيّر موقعه تبعًا لاتجاه الرياح الدولية. فمنذ عقود، تبنّى سياسة واضحة قوامها أن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على العدالة، وأن أي حلول تتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أو تحاول القفز عنها، لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع بصيغ أكثر تعقيدًا. هذا الفهم العميق هو ما يمنح الموقف الأردني ثقله داخل أي إطار سياسي، بما في ذلك مجلس السلام.حضور الأردن في هذا المجلس، إن كُتب له أن يتبلور، لا يأتي بدافع المجاملة السياسية أو البحث عن أدوار رمزية، بل من منطلق الإيمان بأن غياب الصوت المعتدل والعاقل يفتح المجال أمام سياسات أحادية قد تزيد من حالة عدم الاستقرار. فالأردن لطالما مثّل مدرسة في إدارة التوازنات، ممسكًا العصا من الوسط دون أن يتخلّى عن ثوابته الوطنية والقومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.وفي الوقت الذي تميل فيه بعض الأطراف إلى اختزال السلام في ترتيبات أمنية أو تفاهمات مؤقتة، يصرّ الأردن على مقاربة أشمل، تربط بين الأمن والسياسة والبعد الإنساني. فمشاهد الدمار في غزة، وما خلّفته من كارثة إنسانية غير مسبوقة، تؤكد أن تجاهل الإنسان في معادلات السلام يعني تفريغها من مضمونها. لذلك، ظلّ الخطاب الأردني واضحًا في رفض أي مسار لا يضع حماية المدنيين، ووقف العدوان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، في صلب أي حل سياسي.كما يدرك الأردن أن الضغوط الدولية، مهما اشتدّت، لا يمكن أن تكون مبررًا للتراجع عن المواقف المبدئية. فالثبات هنا ليس عنادًا سياسيًا، بل قراءة واقعية لمآلات الصراع. تجربة المنطقة أثبتت أن الحلول المفروضة من الخارج، أو تلك التي تتجاهل جذور الأزمة، سرعان ما تنهار أمام أول اختبار حقيقي.في المحصلة، فإن الحديث عن مجلس السلام لا يكتمل دون الحديث عن طبيعة الأصوات المشاركة فيه. والصوت الأردني، بثباته واتزانه، يظل عنصر توازن ضروريًا في أي مسعى جاد نحو السلام. فهو صوت لا يعلو بالصراخ، ولا يغيب بالصمت، بل يحضر بوضوح الموقف وصلابة الرؤية، مؤكدًا أن السلام العادل ليس خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية لاستقرار المنطقة بأكملها.المساد يكتب: الأردن وإدارة التوازنات.. مجلس السلام في غزة أنموذجا
مأمون المساد
mamoonmassad0@gamil.com
المساد يكتب: الأردن وإدارة التوازنات.. مجلس السلام في غزة أنموذجا
مأمون المساد
mamoonmassad0@gamil.com
mamoonmassad0@gamil.com
مدار الساعة ـ