أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العموش يكتب: الفيضانات في الأردن والتغير المناخي.. لماذا أصبحت الحلول القائمة على الطبيعة خيارا تقنيا لا رفاهية بيئية؟


المهندس إبراهيم أحمد العموش

العموش يكتب: الفيضانات في الأردن والتغير المناخي.. لماذا أصبحت الحلول القائمة على الطبيعة خيارا تقنيا لا رفاهية بيئية؟

مدار الساعة ـ

لم تعد الفيضانات التي يشهدها الأردن في مواسم الشتاء الأخيرة أحداثا استثنائية يمكن التعامل معها كحالات طارئة منفصلة، بل أصبحت ظاهرة متكررة مرتبطة بشكل مباشر بتأثيرات التغير المناخي، وتحديدا زيادة شدة الهطولات المطرية المركزة خلال فترات زمنية قصيرة. هذا النمط الهيدرولوجي الجديد يضع البنية التحتية التقليدية أمام اختبارات تفوق افتراضات التصميم التي أنشئت على أساسها.

المشاهد المتكررة في مناطق مثل وادي أبو الزيغان في الزرقاء ومحافظة الكرك و غيرها تؤكد أن شبكات التصريف والعبارات والطرق لم تعد قادرة على استيعاب معدلات الجريان السطحي المتسارع، ما يؤدي إلى فيضانات مفاجئة، وانجراف التربة، وتضرر الممتلكات العامة والخاصة، إضافة إلى خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة.

تقليديا، كان التعامل مع مخاطر الفيضانات يعتمد على ما يعرف بالبنية التحتية الرمادية، مثل توسيع قنوات التصريف أو إنشاء السدود. ورغم أهمية هذه الحلول، إلا أن فعاليتها تبقى محدودة في مواجهة الفيضانات الخاطفة ، فضلا عن كلفتها العالية، وتأثيرها البيئي، وطول أمد تنفيذها.

من هنا، تبرز الحلول القائمة على الطبيعة كخيار تقني داعم للبنية التحتية، وليس بديلا عنها. ويُعد التشجير الموجه أحد أهم هذه الحلول، خاصة في المناطق المعرضة للفيضانات. فالأشجار تعمل على زيادة خشونة السطح الأرضي، ما يبطئ سرعة الجريان السطحي، كما ترفع من قدرة التربة على الامتصاص ، وتحد من انجراف التربة عبر تثبيت الطبقات السطحية والجذرية.

من منظور هندسي-بيئي، فإن زيادة الغطاء النباتي في أحواض الأودية ومناطق المنابع تؤدي إلى خفض ذروة الجريان ، وتقليل حجم المياه المتدفقة خلال فترات قصيرة، وهو ما يخفف الضغط على شبكات التصريف داخل المدن. كما أن اختيار أنواع نباتية محلية متكيفة مع المناخ الجاف وشبه الجاف في الأردن يضمن استدامة هذه التدخلات بأقل كلفة تشغيلية.

الأردن يمتلك معرفة واضحة بالمناطق عالية الخطورة، سواء من خلال السجلات التاريخية أو الدراسات الهيدرولوجية. التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص البيانات، بل في غياب إطار تنفيذي متكامل يربط التخطيط الحضري، وإدارة مخاطر الكوارث، وحماية الموارد الطبيعية ضمن رؤية واحدة.

من وجهة نظري، لا يمكن إنجاح هذا التوجه دون بناء نموذج شراكة مؤسسية واضح المعالم. تقوم الحكومة فيه بدور المشرع والمنسق وتحديد الأولويات الجغرافية، بينما يساهم القطاع الخاص من خلال التمويل وتنفيذ مشاريع تشجير ضمن برامج الاستدامة والمسؤولية المجتمعية. أما الجامعات ومراكز البحث، فيقع على عاتقها إجراء الدراسات الفنية، واختيار الأنواع النباتية المناسبة، وقياس الأثر البيئي والهيدرولوجي لهذه التدخلات على المدى المتوسط والطويل.

إطلاق مبادرات تشجير وطنية موجهة، قائمة على أسس علمية، يمكن أن يشكل أحد أعمدة استراتيجية التكيف مع التغير المناخي في الأردن. فالتشجير في هذه الحالة ليس نشاطا تجميليا، بل تدخلا وقائيا منخفض الكلفة نسبيا، عالي الأثر، ويعزز صمود البنية التحتية والأنظمة البيئية معا.

في ظل تسارع التغيرات المناخية، لم يعد مقبولا الاستمرار في إدارة المخاطر بذات الأدوات التقليدية. الاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة هو استثمار في تقليل الخسائر، وحماية الأرواح، وتعزيز القدرة الوطنية على التكيف مع واقع مناخي جديد.

مدار الساعة ـ