سلسلة مقالات بداية العام الدراسي الجديد.
المرحلة السابعة: من التمكين الذاتي إلى التأثير التربوي المعلم القائد في مجتمع التعلّم المهني. المقال الرابع: من الممارسة الفردية إلى التأثير الجماعي قيادة التعليم بروح التعاون. «القيادة الحقيقية في التعليم لا تُقاس بما يحققه المعلم داخل صفه فقط، بل بالأثر الذي يتركه في زملائه وطلبته، وفي الثقافة التعليمية من حوله».بعد أن يؤسّس المعلم ذاته مهنيًا عبر الممارسة الصفية الواعية، والتأمل الذاتي المستمر، وتطوير كفاياته التدريسية، يصل في رحلته المهنية إلى مرحلة أكثر عمقًا ونضجًا؛ مرحلة لا تتوقف عند سؤال: كيف أُحسّن أدائي الفردي؟ بل تتجاوزه إلى سؤال أوسع أثرًا وأبعد أفقًا: كيف نُحسّن تعليمنا معًا؟في هذه المرحلة، يبدأ التحول الحقيقي من معلم متقن لممارساته الفردية إلى معلم قائد، يوسّع دائرة تأثيره، ويحوّل خبرته ومعرفته إلى طاقة جماعية، تسهم في بناء مجتمع تعلم مهني حي، يكون فيه التعلم ثقافة مشتركة، والتطوير مسؤولية جماعية، والنجاح ثمرة تعاون واعٍ لا جهد فردي معزول.أولًا: المعلم القائد – الشراكة والتأثير بدل السيطرة. القيادة التربوية ليست منصبًا إداريًا يُمنح، ولا سلطة تُفرض، بل سلوك مهني واعٍ، يقوم على الإلهام، وبناء الثقة، وتمكين الآخرين.فالمعلم القائد لا يقود زملاءه بالأوامر، بل بالممارسة، ولا يؤثر فيهم بالتوجيه المباشر فقط، بل بما يقدمه من نموذج مهني وإنساني. ويتجلى ذلك في سلوكيات واضحة، من أبرزها:- مشاركة الخبرات والمهارات مع الزملاء بروح التعاون لا التفوق.- تشجيع الابتكار وتجريب استراتيجيات تدريس حديثة دون خوف من الخطأ.- بناء شبكة دعم مهني قائمة على الحوار المفتوح، وتبادل الأفكار، وحل المشكلات بشكل تشاركي.وفي هذا السياق، تصبح القيادة الأخلاقية والإنسانية جوهر التأثير التربوي؛ قيادة تقوم على الاحترام، والإنصات، وتقدير الجهود، فتجعل التعاون نابعًا من القناعة لا من الإلزام.«القائد الحقيقي هو من يصنع قادة، لا تابعين».ثانيًا: فرق العمل التربوية – من الخبرة الفردية إلى الطاقة الجماعية. المعلم القائد لا يعمل منفردًا، ولا يحتفظ بخبرته داخل حدود صفه، بل يسعى إلى تحويل التجربة الفردية إلى رصيد مهني جماعي، من خلال تكوين فرق تعلم فاعلة داخل المدرسة.وفي بيئة العمل التعاوني:- تصبح كل تجربة صفية فرصة للتأمل والتطوير المشترك.- تُبنى الخطط الدراسية والمشاريع التعليمية بوصفها نتاج تفكير جماعي يعكس تنوع الخبرات.- تتحول الاجتماعات المهنية من إجراءات روتينية إلى منصات لتحليل الأداء، وتبادل الممارسات الجيدة، ومناقشة التحديات.وهكذا تنتقل المدرسة من مجموعة معلمين يعملون بشكل متوازٍ، إلى مجتمع تعلم مهني (Professional Learning Community)، يتعلم فيه المعلمون من بعضهم بعضًا، وتتحول الخبرة المشتركة إلى مصدر إلهام ونمو مستمر.ثالثًا: ثقافة الحوار والنقد البنّاء – أساس التأثير الجماعي. لا يتحقق التأثير الجماعي الحقيقي دون ترسيخ ثقافة مهنية آمنة، تقوم على الحوار الصادق، والنقد البنّاء، والاحترام المتبادل.وتشمل هذه الثقافة:عقد جلسات مهنية منتظمة لمناقشة الممارسات الصفية وأساليب التدريس.تحليل الدروس ونتائج التعلم بشكل جماعي، بعيدًا عن اللوم أو المقارنات السلبية.النظر إلى الأخطاء بوصفها فرصًا للتعلم، ومشاركة النجاحات كنماذج قابلة للتعميم.إن هذه الممارسات لا تعزز جودة التعليم فحسب، بل تنمّي الثقة بين المعلمين، وترسّخ الاحترام المهني، وتخلق بيئة تشجع المبادرة، والتجديد، والتعلّم المستمر.رابعًا: أدوات عملية لدعم التأثير الجماعي لتحويل هذه الرؤية القيادية إلى ممارسة واقعية داخل المدرسة، يحتاج المعلم القائد إلى أدوات عملية داعمة، من أبرزها:- المنصات الرقمية للتعاون المهني، مثل: Microsoft Teams، Zoom، Padlet، لتبادل الموارد، والتخطيط المشترك، وتوثيق التجارب.- ملفات الإنجاز الجماعية، لتوثيق المبادرات التعليمية، والممارسات الصفية الناجحة.- التقييم التشاركي، من خلال تبادل التغذية الراجعة المهنية بين الزملاء بهدف التطوير والتحسين، لا إصدار الأحكام.تسهم هذه الأدوات في استدامة العمل التعاوني، وتضمن انتقال المعرفة والخبرة بين أفراد الفريق التربوي.خامسًا: دور القيادة المدرسية في تمكين المعلم القائد لا يكتمل التأثير الجماعي دون بيئة مدرسية داعمة تؤمن بالعمل التشاركي.فالقيادة المدرسية الواعية:- تمنح الثقة للمعلمين وتشجع المبادرات التربوية.- تهيئ وقتًا ومساحة للحوار المهني والتعلم المشترك.- تقدر العمل الجماعي وتحتفي بإنجازاته.وعندما تتكامل أدوار قائد المدرسة، والمعلم القائد، والمشرف التربوي، يتحول التطوير المهني من جهد فردي عابر إلى مسار مؤسسي مستدام.سادسًا: من التحديات إلى الفرص – قيادة التغيير التعاوني قد يواجه الانتقال من الممارسة الفردية إلى التأثير الجماعي تحديات واقعية، مثل:- مقاومة التغيير أو الخوف من فقدان الخصوصية المهنية.- التخوف من النقد أو المقارنة.- ضيق الوقت وتعدد الأعباء.وهنا يبرز دور المعلم القائد في:1. البدء بخطوات صغيرة قابلة للتطبيق.2. القيادة بالنموذج لا بالتوجيه.3. بناء الثقة تدريجيًا، وتحويل الاختلاف إلى مصدر إثراء مهني.سابعًا: أثر الانتقال من الفردية إلى الجماعية على الطالبلا يتوقف أثر القيادة التعاونية عند المعلم، بل يمتد مباشرة إلى الطالب، حيث:تنعكس روح التعاون بين المعلمين على تنوع أساليب التدريس وجودتها.يعيش الطالب في بيئة تعليمية تحاكي الحوار، والعمل الجماعي، والمسؤولية المشتركة.تنمو لدى الطلبة مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل التفكير النقدي، والتواصل، والعمل التعاوني، وتحمل المسؤولية.فالمدرسة التي يتعلم فيها المعلمون معًا، تخرّج طلبة أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التعلم المستقل والمشاركة الفاعلة.? إن الانتقال من الممارسة الفردية إلى التأثير الجماعي يمثل جوهر القيادة التربوية الحقيقية. فالمعلم الذي يبدأ بتطوير ذاته، ثم يوسّع دائرة أثره عبر التعاون والإلهام، يصبح حجر الأساس في بناء مجتمع تعلم مهني نابض بالحياة، قادر على تجديد ذاته، وتحقيق تعليم مستدام ذي أثر عميق في المعلمين والطلبة معًا.قاعدة ذهبية:المعلم الذي يشارك خبرته يضاعف أثره، ويصنع مجتمع تعلم يتعلم فيه الجميع من الجميع.لأن التعليم حين يُقَاد بروح الجماعة، لا يغيّر الصف فقط، بل يغيّر المدرسة، ويصنع أجيالًا قادرة على التعاون، والتفكير، والقيادة.البستنجي يكتب: من الممارسة الفردية إلى التأثير الجماعي قيادة التعليم بروح التعاون
إياد يوسف البستنجي
البستنجي يكتب: من الممارسة الفردية إلى التأثير الجماعي قيادة التعليم بروح التعاون
مدار الساعة ـ