وهنا ينهض السؤال المرير: أهكذا يكون الوطن الذي نحلم به؟ أن تقف أم طاعنة في السن من أمهات الزمن الجميل، متكئة على عكازتها، لا يسندها الجدار بقدر ما يسندها عمر طويل أثقلته السنين ولم تطفئ فيه الكبرياء وجها لوجه أمام موظف محصل فواتير الكهرباء تحاول أن تشرح ضعفها بلغة الدموع بعد أن عجز اللسان أهذا هو المشهد الذي يليق ببلد يتطلع إلى التقدم بينما تُترك أمهاته على عتبات الخوف؟
كانت أمنا العجوز تخاف العتمة كما يخاف الطفل الليل في أول مواجهة له لا لأن الظلام غياب نور فحسب، بل لأنه استحضار لوحدة قاسية تعرفها جيدا وتخشاها أكثر مما تخشى الفقر ذاته. أمامها وقف الموظف، وبينهما لحظة عارية من كل تجميل، لحظة تختصر قسوة الواقع حين تترك أم من أمهاتنا وحيدة في مواجهة القرار والبرد والظلام، لحظة يضيق فيها المشهد حتى يبدو الوطن كله مختصرا في دفتر تحصيل وقلم. لم ترفع صوتها تحديا، ولم تشهر غضبا، بل توسلت بصوت عذوبي مكسور ممتلئ بالاستجداء بكاء صادق لا يعرف التمثيل ولا الاصطناع، بكاء يمس القلب ويتحشرج من أعمق مواضعه. شدت عباءتها على صدرها كأنها تشد ما تبقى من كرامة، وهي تقول: "يا يمه… يا يمه… با حبيبي… ياعمري مشان الله معي ثلاثين دينار التزملكوا بثلاثين دينار الله يرزقني وادفعها للكهرباء مشان الله يا يمه رجعوها".لم تكن الثلاثون دينارا رقما عابرا في كشف حساب، بل ثلاثين طعنة في الضمير، وثلاثين سؤالا موجعا عن معنى العدالة وثلاثين لحظة صمت ثقيل أمام مشهد إنساني لا يحتمل التبرير. ثلاثون دينارا بدت في ميزان القيم أثقل من قدرتها المادية وأقسى من وقعها الرقمي، لأنها حملت معها معنى العجز والخوف والانكسار. تحولت في فم تلك الأم إلى دموع معدودة، وإلى رجفة خوف صامتة من ظلام تعرفه جيدا وتهابه أكثر مما تهاب الفقر والعوز والضنك.وهنا لنتساءل: كيف نسمح لأنفسنا أن تقف أم من أمهاتنا هذه الوقفة؟ كيف نقبل أن تبكي وتلح وتستجدي حقا يفترض أنه بديهي نورا لا ترفا، دفئا لا امتيازا؟ أي منطق هذا الذي يجعل امرأة أفنت عمرها في التربية والعمل والصبر وبلغت من العمر عتيا تقف خاشعة أمام موظف تترجاه بالبكاء كي لا يُقطع الضوء عن حجرة دارها المتواضعة؟ كيف تحول ضوء الكهرباء من خدمة عامة إلى عبء ثقيل، ومن حق إنساني إلى اختبار قاس لكرامة الكبار؟ أي حداثة هذه التي تضيء الشوارع وتترك الأمهات في الظلام، وتعلو فيها البنايات بينما تُنسى العتبات البسيطة التي جلست عليها أمهاتنا دهرا؟إن ما جرى ليس حادثة فردية ولا مشهدا عاطفيا عابرا، بل مرآة صادقة لخلل في ترتيب الأولويات. حين يصبح النور فاتورة، والرحمة استثناء، والإنسان رقما في سجل، نكون قد سمحنا لرياح باردة أن تعصف في روح الوطن. تلك الرياح ليست قدرا، بل نتاج إجراءات تدار بعيدا عن المعنى الإنساني، لا ترى في الضعيف سوى حالة إدارية، ولا تسمع في بكائه إلا صوتا خارج السياق. لكنها في جوهرها رياح نسمح لها أن تستمر حين نصمت، وحين نبرر، وحين نعتاد المشهد بدل أن نتوقف عنده بقلق ومسؤولية.تلك الأم ليست امرأة مجهولة، هي أم العامل والجندي والفلاح، هي ذاكرة البيوت القديمة وصلاة الفجر، ورغيف الطابون الساخن، والدعاء الذي كان يسبق الكهرباء ويغني عنها. بكاؤها لم يكن طلبا للشفقة، بل تذكيرا موجعا بأن الوطن لا يقاس بعدد الأضواء، بل بقدرته على حماية أمهاته من الذل والخوف والعتمة إلى هذا الحد وصل بنا المطاف؟ أن تبكي أم من أمهاتنا خوفا من الظلام، وتتوسل بثلاثين دينارا كأنها تنزف ثلاثين مرة أمام أعيننا. ماذا لو كانت فاتورة أمنا الموجوعة والتي أخالها لا تتعدى خمسة عشر دينارا بالشهر تعالج بهدوء ومسؤولية عبر صندوق المعونة الوطنية أو صندوق الزكاة بلا إذلال ولا دموع؟ وإن لم يحصل ذلك، فابشري يا أمي فاتورة كهرباء دارك على حسابي أنا ما دمت أتنفس الهواء، لأن الكرامة لا تُقسط، ولأن النور الذي يصان في بيوت الأمهات هو وحده النور الذي يستحق أن يضاء به الوطن..!!