أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العلاونة يكتب: الشباب في قلب معادلة الاستقرار


عبدالله فارس العلاونه
مستشار بريادة الأعمال والتمكين للشباب

العلاونة يكتب: الشباب في قلب معادلة الاستقرار

عبدالله فارس العلاونه
عبدالله فارس العلاونه
مستشار بريادة الأعمال والتمكين للشباب
مدار الساعة ـ

تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنماطًا متكررة من النزاعات لم يعد من الممكن تفسيرها بوصفها أحداثًا سياسية طارئة أو أزمات أمنية معزولة، بل باعتبارها نتيجة تراكمات بنيوية طويلة الأمد تتقاطع فيها عوامل الاقتصاد، والهوية، والهجرة، مع شعور متزايد لدى فئات واسعة، وعلى رأسها الشباب، بتآكل الفرص وضيق الأفق. تشير تقارير البنك الدولي إلى أن المنطقة تسجل أعلى معدلات بطالة شبابية في العالم، إذ تتجاوز في المتوسط 25%، وترتفع في بعض الدول المتأثرة بالنزاعات إلى أكثر من 40%، وهو ما يشكّل بيئة خصبة للهشاشة الاجتماعية وعدم الاستقرار.

في هذا السياق، يبرز مفهوم الوقاية البنيوية من النزاعات بوصفه مقاربة تتجاوز إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، من خلال التركيز على العدالة في الفرص، والدمج الاقتصادي، وتعزيز القدرة المحلية على الصمود. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن النزاعات في الدول الهشة غالبًا ما ترتبط بضعف الوصول إلى سبل العيش، وسوء الحوكمة المحلية، وغياب المسارات الاقتصادية للشباب، أكثر من ارتباطها بالاختلافات السياسية وحدها. هنا، تبدأ أدوات التنمية الاقتصادية، مثل حاضنات الأعمال الشبابية، بالظهور كآليات عملية يمكنها التأثير في البنية الاجتماعية التي تُنتج النزاع.

الأرض، التي لطالما كانت محورًا للصراع في المنطقة، لا تمثل فقط مساحة جغرافية متنازعًا عليها، بل مصدرًا للرزق والانتماء والأمن الاقتصادي. وتُظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة وبرامج التنمية الريفية أن فقدان فرص العمل المرتبطة بالأرض والموارد المحلية يدفع الشباب إما إلى الهجرة أو إلى الانخراط في اقتصاديات هشة وغير مستقرة. في هذا الإطار، تسهم حاضنات الأعمال التي تركز على الإنتاج المحلي، والزراعة الذكية، والصناعات الصغيرة، في إعادة تعريف العلاقة مع الأرض من كونها مصدرًا للتنافس والحرمان إلى مساحة للإنتاج والاستقرار. غير أن هذا الدور يبقى مشروطًا بوجود سياسات عادلة لإدارة الموارد وربط المبادرات الريادية بالاقتصاد المحلي، إذ لا يمكن لمشاريع معزولة أن تعالج اختلالات هيكلية بمفردها.

أما على مستوى الهوية، فتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن التهميش الاقتصادي والاجتماعي يُعد من أبرز العوامل التي تُضعف الانتماء الوطني، وتزيد من قابلية الشباب للاستقطاب على أسس دينية أو عرقية أو جهوية. في السياقات الهشة، لا تتشكل أزمة الهوية من الاختلاف بحد ذاته، بل من غياب المساحات التي تتيح للشباب دورًا منتجًا ومعترفًا به داخل مجتمعاتهم. حاضنات الأعمال، حين تُصمَّم بوصفها منصات للتعلم والعمل الجماعي وبناء الشبكات، يمكن أن تسهم في تشكيل هوية شبابية قائمة على الكفاءة والمبادرة بدل الشعور بالهامشية. وتشير دراسات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن برامج التمكين الاقتصادي المرتبطة بالمشاركة المجتمعية تقلل من مستويات الاستقطاب، لكنها لا تُلغي الانقسامات ما لم تُدمج ضمن أطر أوسع للحوار والمواطنة.

الهجرة، التي أصبحت أحد أبرز مظاهر اختلال التوازن في المنطقة، غالبًا ما تُقدَّم بوصفها خيارًا فرديًا، بينما تُظهر البيانات أنها في كثير من الحالات استجابة قسرية لغياب البدائل. فوفقًا للبنك الدولي، فإن أكثر من 60% من الشباب المهاجرين من الدول الهشة يشيرون إلى غياب الفرص الاقتصادية كسبب رئيسي لمغادرتهم، وليس الرغبة في تحسين الدخل فقط. هنا، تلعب حاضنات الأعمال دورًا محتملًا في تقليل دوافع الهجرة القسرية عبر خلق مسارات اقتصادية محلية، إلا أن أثرها يظل محدودًا إذا لم يترافق مع تحسين بيئة الأعمال، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وربط المشاريع الصغيرة بالأسواق الوطنية والإقليمية.

ضمن هذا المشهد المركّب، تنظر أجندة الشباب والسلام والأمن، كما وردت في قرار مجلس الأمن رقم 2250، إلى الشباب باعتبارهم شركاء في بناء السلام لا مجرد فئة معرضة للمخاطر. وتشير الأمم المتحدة إلى أن استبعاد الشباب من الحياة الاقتصادية والسياسية يزيد من احتمالات عدم الاستقرار، بينما يسهم دمجهم في عمليات الإنتاج واتخاذ القرار في تعزيز التماسك الاجتماعي. حاضنات الأعمال، حين تجمع بين التمكين الاقتصادي وبناء المهارات الحياتية مثل القيادة والحوار وحل النزاعات، تمثل مساحة عملية لترجمة هذه الأجندة إلى واقع ملموس، شريطة ألا تُختزل في بعدها الاقتصادي فقط.

ومع ذلك، فإن الرهان على حاضنات الأعمال بوصفها حلًا سحريًا للنزاعات يحمل قدرًا من التبسيط المفرط. فالتجارب الدولية تؤكد أن أثر هذه المبادرات يكون أكثر استدامة عندما تُدمج ضمن سياسات وطنية شاملة للتشغيل، والتعليم، والتنمية المحلية، وعندما يُنظر إليها كجزء من منظومة وقائية أوسع، لا كبديل عنها. وبينما تستمر المنطقة في مواجهة تحديات متشابكة تتعلق بالأرض والهوية والهجرة، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة السياسات العامة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى الاستثمار الحقيقي في الإنسان، خصوصًا الشباب، ليس فقط بوصفهم مستقبلًا مؤجلًا، بل حاضرًا قادرًا على ترجيح كفة الاستقرار أو استمرار الهشاشة. د. عبدالله العلاونه

مدار الساعة ـ