أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ربابعة يكتب: المخدرات - مخاطرها ومحاذيرها وعلاجها من منظور إسلامي


عمر محمد ربابعة

ربابعة يكتب: المخدرات - مخاطرها ومحاذيرها وعلاجها من منظور إسلامي

مدار الساعة ـ

في غضون ما يعيشه عالمنا المعاصر من تحديات اجتماعية وفكرية، يظهر إدمان المخدرات كأحد أخطر الآفات التي تهدد الإنسان، والمجتمع، لا في صحته الجسدية فحسب، وإنما في دينه وعقله وإنسانيته، إنها مشكلة تتسلل بهدوء، تبدأ غالباً بدافع التجربة أو الهروب من واقع صعب، ثم لا تلبث أن تتحول إلى قيد ثقيل يفقد الإنسان حريته وإرادته.

والإسلام ينظر إلى المخدرات نظرة حازمة؛ لأنها تدخل في عموم ما حرّم الله من المسكرات والمفترات التي تذهب العقل أو تضعفه أو تلهيه عن مقصوده، والعقل هو من أعظم النعم التي أنعمها الله على الإنسان، وميزه به دون غيره من المخلوقات، وبه قامت المسؤولية والتكليف، فإذا غاب العقل، ضاعت الصلاة، وضاعت الواجبات، واختلت الموازين، وتجرأ الإنسان على ما كان يستعظمه من قبل، بل قد يقع في جرائم وخيمة تهدد أمن المجتمع واستقراره، ومن هنا كان تعاطي المخدرات اعتداءً على نعمة العقل، وإلقاءً بالنفس إلى التهلكة، وهو ما نهى الله عنه في كتابه الكريم، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ»، رواه مسلم.

ومن أخطر مخاطر إدمان المخدرات أنه لا يقف عند حدود الفرد، بل يمتد ويتعدى أثره إلى الأسرة والمجتمع؛ فيتفكك البيت، وتضيع الثقة بين أفراده، ويصبح المدمن عبئاً بعد أن كان مصدراً واعداً، كما يقود الإدمان صاحبه إلى العزلة والانطواء، وربما إلى ارتكاب المحرمات والجرائم في سبيل إشباع شهواته ورغباته، فيخسر دنياه قبل آخرته.

أما محاذير هذا الداء، فأبرزها: الاستهانة ببدايته، والتساهل في أمره، واعتقاد القدرة على التوقف متى شاء الإنسان، فإذا علق بها هلك، فكم من شاب ظنّها تجربة عابرة؟! فإذا به أسير عادة مدمرة، ويحذِّر الإسلام من هذا المسلك الخطير القبيح؛ لأن الوقاية مقدّمة على العلاج، وسدّ الذرائع أصل معتبر في الشريعة الإسلامية الغراء، حمايةً للإنسان من السقوط قبل وقوعه.

وفي مقابل هذا الخطر، يقدّم الإسلام منهجاً متوازناً في العلاج، يقوم على الجمع بين الإيمان والأخذ بالأسباب، فأول طريق العلاج هو التوبة الصادقة والرجوع إلى الله سبحانه، مع حسن الظن به وعدم اليأس والقنوط من رحمته، فإن باب التوبة مفتوح ما لم تغرغر الروح، ثم تأتي مرحلة إصلاح السلوك، بالمحافظة على الصلاة، والواجبات، وكثرة الذكر، ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء، وقطع الصلة بكل ما يذكّر بالمخدرات أو يقود إليها.

كما يؤكد الإسلام على أهمية العلاج الطبي والنفسي، وطلب العون من المختصين، فالتداوي لا ينافي التوكل، بل هو من تمام الأخذ بالأسباب، ويقع على عاتق الأسرة والمجتمع واجب الاحتواء، والتحذير من مخاطره وعواقبه الوخيمة، بعيداً عن التشهير أو القسوة؛ لأن المقصود هو الإصلاح والإنقاذ، لا الإدانة والإقصاء.

وخلاصة القول: إن إدمان المخدرات داءٌ خطير، لكنه ليس قدراً محتوماً، فكم من مذنب أقامه الله بتوبة صادقة، وكم من ضعيف قوّاه بالرجوع والإنابة إليه، ومن صدق مع الله، وأخذ بالأسباب، جعل الله له من ضيقه فرجاً، ومن عسره يسراً، وكان بعد الانكسار ثبات، وبعد الظلمة نور، ونسأله سبحانه أن يعيد كل شاب إلى رشده، وأن يبعدهم عن هذا الداء الخطير، والحمدلله ربِّ العالمين.

مدار الساعة ـ