الرسالة الملكية التي بعت بها جلالة الملك عبد الله الثاني إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة يوسف باشا الحنيطي حملت الكثير من المعاني الاقتصادية والاجتماعية التي تثير عند الباحث الفضول.
والعمل على اعادة هيكلة القوات العسكرية الأردنية الذي جسدته الرسالة الملكية قد بدئ بالتمهيد لها من فترة. ولكن التصور العام الذي ورد في الكتاب الملكي يمكن اعتباره الورقة النقاشية الثامنة للأوراق النقاشية السبعة السابقة فهي تعتبر جزءاً من المشروع الإصلاحي الاستراتيجي الذي وضعه جلالة الملك وعبّر عنه في هذه الأوراق.ويريد جلالة الملك أن يؤكد للناس، وفي هذا الوقت العصيب بالذات، على قدرة الأردن أن يبقى مُحافِظاً على توازنه في الداخل والخارج، وأن يقيم علاقة ديناميكية بين الداخل من جهة والخارج من جهة أخرى ليقول للعالم أن الثقة التي أبدتها دول عظمى وكبرى في الأردن خلال الشهرين الماضيين لم تأت عبثاً، بل تقوم على معطيات ثابتة مُستقرة تنبع من صميم القرار الأردني على جميع مستوياته.وكذلك يأتي التوقيت متلازماً مع التحديات التي يواجهها الأردن. فهو يريد للدولة السورية أن تستقر وان تستعيد نشاطها بعدما انفرط عقدها في آخر ستين سنة، وتحولت الى دولة فاقدة لذاكرتها. واستقرار سورية يجلب معه منافع للأردن مثل ضبط التهريب للأفراد والمخدرات على الحدود، وعودة تجارة الترانزيت، وتدفق السلع والخدمات بين البلدين، ورجوع اللاجئين السوريين الذي يفوق عددهم المليون إلى بلدهم الأول.وكذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية الحالية ومنهجيتها القائمة على تشتيت الأوضاع في الدول المُجاورة، وإحداث الفُرقة والنزاعات بين مختلف مكونات هذه الدول ظناً منها أن اسرائيل سوف تكسب من حالة الفوضى والبعثرة. وما تقوم به اسرائيل من اعمال ضد الأهل والأرض والممتلكات خاصة في الضفة الغربية هذه الايام سيكون مستقبلاً مصدر نزاع حاد مع الاردن الرافض لاستقبال الأهل من الضفة لأن هذا الاستقبال فيه انهاء للقضية، وفيه تحميل لاعباء جديدة على كاهل الأردن. ولا يكفي للرد على تحد مثل هذا أن نتبع سياسات الحافة والواقعية لكي نواجهه،بل يتطلب اضافة الى ذلك قوة ردع وازنة نابعة من صميم قدرات الوطن.وهنالك الجار المهم لنا وهو العراق الشقيق الذي لا يدري أحد تماماً مآلات الأمور فيه، ولا النهايات التي يستقر عندها. وإذا نجح السيد نوري المالكي فيه تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، فانه وان حظي بالاكثرية الشيعية، فان له اشكاليات واضحة مع المكونين السُني والكردي في العراق داخلياً، وعلى ايران خارجياً وداخلياً. وهذا يضع الأردن أمام تحد جديد خاصة في محافظة الانبار بغض النظر عن كونهم سُنة أو شيعة، لأن الشيعة أصلاً تشيعوا لآل البيت التي ينسل منها ملوك بني هاشم الأخيار.وأما الحدود الأخرى التي تهمنا فهي تلك التي تربطنا بالمملكة العربية السعودية، والتي يكبر دورها عربياً واسلامياً. والسياسة الخارجية للسعودية قد اعتمدت قاعدتين هامتين للاردن: الأولى هو الا تطبع مع اسرائيل بدون مخطط واضح لتطبيق المشروع العربي الذي انشأته السعودية وقبل به القادة العرب مشروعاً عريباً عام 2002. وقد آن الأوان لترجمته إلى فعل عربي مشترك في غزة وفي الضفة الغربية. وأما الخط الثاني فهو تبني فكرة اعادة بناء سورية والتي لا تبدي دول العالم الغربي الأوروبية منها والأميركية أي استعداد للمساهمة المالية واللوجيستية في لاعادة احيائها.وحيث أن الأردن قد انجز في بعض المجالات الدفاعية الحديثة القائمة على المسيرات والذكاء الاصطناعي، فانه آن الأوان أن يعمق هذه الفكرة ويوطنها صناعياً وخدمياً في الاقتصاد الأردني، وحيث أن القوات المسلحة الحديثة تحتاج إلى هذه الأمور، فان الربط بين القطاعات الانتاجية المحلية والحاجات العسكرية الأردنية صار أمراً ضرورياً، ولقد مضى على تجربة المركز الأردني للتصميم والتطوير حوالي عشرين سنة، فقد آن الأوان لنقله إلى مستويات اعلى. والمنطق الاقتصادي يملي أن تترابط الصناعات للسلع والخدمات الوطنية مع المتطلبات العسكرية. والدول التي فعلت ذلك هي التي حققت لنفسها مكاسب كبيرة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها، ولأن المواصفات المطلوبة للسلع العسكرية دقيقة ومرتفعة المستوى، فإن النجاح في الوصول إليها يسهم في رفع جودة المنتجات المدنية، ويرفع من قدراتها التنافسية. وكذلك، فإن برنامج الاصلاح في السياسة والادارة والاقتصاد داخل الحكومة وادائها يتطلب ايضاً أن يكون هنالك تناغم وتنسيق كبيران بين القطاعين العامين المدني والعسكري، ولنعترف ان القوات المسلحة المترابطة مع الحكومات المدنية تخلق ما يُسمى بالطاقة الخلاقة، وبالاستيعاب الأوفى والذي يؤدي إلى رفع الانتاجية للاقتصاد الكلي.وقد تصادف أن خطاب جلالة الملك لرئيس هيئة الأركان المشتركة قد أتى عند بدء تنفيذ مقترح ولي العهد باعادة خدمة العلم، والتي سيبدأ تدريب الفوج الأول منها الشهر القادم. وخدمة العلم تعني توفير فرص للشباب المبدعين والمبادرين كي يختاروا الخدمة العسكرية لتكون مهنتهم في الحياة. ومن لم يختر هذا الأمر، فانه سيكتسب فهماً أكثر لطبيعة العلاقة بين الجيش والمجتمع ككل، ويعرف أن التنسيق بين القطاعين العسكري والمدني يُنهي فكرة الانفصام، ويجعل كلا القطاعين أكثر فهما للآخر، ويوفر فرصاً أوسع لشباب الأردن وشاباته لكي يقدموا أحسن ما لديهم لخدمة الوطن وأمنه واستقراره.إعادة هيكلة القوات المسلحة
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ