مدار الساعة - كتب ا.د. نورس شطناوي -
في خطوةٍ استراتيجيةٍ مفصليةٍ، وجّه جلالةُ الملكِ عبدِ الله الثاني رسالةً ملكيةً ساميةً إلى رئيسِ هيئةِ الأركانِ المشتركةِ للقواتِ المسلحةِ الأردنية، يدعوه فيها إلى إعدادِ استراتيجيةٍ شاملةٍ لإعادةِ هيكلةِ الجيشِ العربيِّ خلالَ السنواتِ الثلاثِ القادمة. تعكسُ هذه الرسالةُ رؤيةً استباقيةً لتحديثِ بنيةِ القواتِ المسلحةِ بما يضمنُ تعزيزَ الاحترافيةِ والجاهزيةِ وبناءَ جيشٍ حديثٍ قادرٍ على مجابهةِ تحدّياتِ عصرٍ جديد. لم تأتِ هذه التوجيهاتُ من فراغٍ؛ بل ترتكزُ على جهودِ تطويرٍ متواصلةٍ في الجيشِ الأردني، كما أنّها تتزامنُ مع واقعٍ إقليميٍّ ودوليٍّ زاخرٍ بالتحدّياتِ غيرِ التقليديةِ التي تتطلّبُ تحوّلًا جوهريًا في العقيدةِ العسكريةِ ونهجِ بناءِ القوة.وتجدرُ الإشارةُ إلى أنّ تطويرَ الجيشِ العربيِّ لطالما حَظِيَ بأولويةٍ لدى القيادةِ الأردنية. وقد واصل جلالةُ الملكِ عبدِ الله الثاني هذا النهجَ في تحديثِ الجيشِ ورفدهِ بالمعدّاتِ المتطورة؛ إذ شهدت السنواتُ الأخيرةُ مبادراتٍ عدّةً لإعادةِ هيكلةِ القواتِ المسلحةِ وتعزيزِ احترافيتها. وعلى سبيلِ المثال، أُعلِنَ في عامِ 2018 عن خطةٍ لإعادةِ هيكلةِ التشكيلاتِ على مدى خمسِ سنواتٍ، بهدفِ رفعِ كفاءةِ الجيشِ وفعاليتهِ في مواجهةِ التحدّياتِ الأمنيةِ الحاليةِ والمستقبلية. وقد مهّدت تلك الجهودُ الطريقَ للتوجيهِ الملكيِّ الحاليِّ الذي يُعدُّ تتويجًا لمسارٍ طويلٍ نحو بناءِ جيشٍ أكثرَ مرونةً وتطورًا.في هذا السياق، تأتي إعادةُ هيكلةِ الجيشِ استجابةً لمشهدٍ أمنيٍّ معقّدٍ يتّسمُ بظهورِ تهديداتٍ غيرِ تقليديةٍ وتغيّرٍ في طبيعةِ الحروب. وقد باتت الحروبُ الهجينةُ وغيرُ التقليديةِ سمةً بارزةً في الصراعاتِ الحديثة، إذ تتداخلُ فيها حربُ العصاباتِ والإرهابُ مع الهجماتِ السيبرانيةِ وحملاتِ المعلومات. وفي الوقتِ ذاته، يواجهُ الأردنُّ تحدّياتٍ عبرَ الحدودِ نتيجةَ حالةِ الفوضى في بعضِ دولِ الجوار، بما في ذلك محاولاتُ التسلّلِ والتهريبِ ونشاطُ الميليشياتِ المسلّحة. فضلاً عن ذلك، أصبح الفضاءُ السيبرانيُّ ساحةً جديدةً للمواجهة، الأمرُ الذي يفرضُ تطويرَ القدراتِ التقنيةِ لحمايةِ البنيةِ التحتيةِ والمعلوماتِ الحسّاسة. إلى ذلك، أكّدت الرسالةُ الملكيةُ ضرورةَ إدراجِ عملياتِ الدفاعِ والهجومِ السيبرانيِّ ضمنَ الأولوياتِ الاستثماريةِ للقواتِ المسلحة، إدراكًا لتنامي أخطارِ الفضاءِ الإلكترونيِّ في الصراعِ المعاصر. أمام هذه التحدّياتِ المتشابكة، بات لزامًا أن يتحوّلَ الجيشُ من الاعتمادِ على الأنماطِ التقليديةِ في التنظيمِ والتسليحِ إلى تبنّي نهجٍ أكثرَ مرونةً وابتكارًا في التخطيطِ والعمليات.أمّا فلسفةُ إعادةِ الهيكلةِ التي وجّه بها جلالةُ الملكِ فتَعكِسُ تحوّلًا استراتيجيًّا من نموذجِ الجيوشِ التقليديةِ الثقيلةِ إلى قوّةٍ عسكريةٍ أكثرَ رشاقةً وفعاليةً ومهنية. وهذا التحوّلُ يعني تقليلَ الحجمِ والهيكليةِ الثقيلةِ والتركيزَ على وحداتٍ خفيفةٍ سريعةِ الحركةِ دون التفريطِ بقوّةِ النيران. كما أكّدت الرسالةُ الملكيةُ الطموحَ إلى بناءِ قواتٍ مسلّحةٍ «رشيقةٍ ومرنةٍ ونوعيّةٍ» تتمتّعُ بكفاءةٍ عاليةٍ واحترافيةٍ وجاهزيةٍ قتاليةٍ لتحقيقِ الردعِ الاستراتيجي. ولا شكَّ أنَّ الجيوشَ الحديثةَ تركّزُ على نوعيةِ المقاتلِ والتكنولوجيا أكثرَ من العدد، ممّا يستلزمُ توفيرَ تدريبٍ نوعيٍّ وتسليحٍ متطوّرٍ يُمكّنُ الوحداتِ من أداءِ مهامّها بكفاءةٍ في مختلفِ البيئات. إضافةً إلى ذلك، ستُطوَّرُ منظوماتُ القيادةِ والسيطرةِ والاتصالاتِ لتُصبحَ أكثرَ مرونةً وأمانًا، مع توظيفِ تقنياتٍ كالذّكاءِ الاصطناعيِّ والطائراتِ المُسيّرةِ لتعزيزِ قدراتِ الاستطلاعِ والضرباتِ الدقيقة. هذا وتؤكّدُ التوجيهاتُ الملكيةُ أهمّيةَ امتلاكِ قوّاتِ احتياطٍ مدرّبةٍ ومجهّزةٍ لدعمِ القوّاتِ الفاعلةِ عندَ الضرورة. وفي هذا الإطار، شرَعَ الأردنُّ في إعادةِ تفعيلِ خدمةِ العلمِ بهدفِ إعدادِ جيلٍ جديدٍ من جنودِ الاحتياطِ يدعمُ الجيشَ المحترف. وبذلك تتّجهُ القواتُ المسلحةُ نحوَ بناءِ قوّةٍ قادرةٍ على الاستجابةِ السريعةِ والفعّالة، عوضًا عن الاعتمادِ على تشكيلاتٍ ثقيلةٍ أبطأ في مواجهةِ تطوراتِ ساحةِ المعركةِ الحديثة.وبالتالي، من المتوقّع أن يقود هذا التحوّلُ البنيويُّ إلى تحديثِ العقيدةِ العسكريةِ الأردنيةِ لتصبحَ أكثرَ مرونةً وشمولًا. وتتبنّى القواتُ المسلحةُ مفاهيمَ قتاليةً جديدةً تتناسبُ وطبيعةَ التهديداتِ المعاصرة. ويُصبحُ التنسيقُ المشتركُ بينَ القواتِ البرّيةِ والجويّةِ والبحريّةِ ووحداتِ الحربِ الإلكترونيّةِ محورًا أساسيًّا لتحقيقِ التفوّقِ العملياتيِّ والردعِ الفعّال. وعلى صعيدِ الأمنِ القوميِّ الشامل، تتضمّنُ الرؤيةُ الجديدةُ إشراكَ مراكزِ البحوثِ والشركاتِ الوطنيّةِ في تطويرِ التكنولوجيا والصناعاتِ الدفاعية، بما يعزّزُ الاكتفاءَ الذاتيَّ الدفاعيَّ ويُواكبُ التطوّرَ التقنيَّ المتسارع. إنَّ تكاملَ القدراتِ العسكريةِ مع قاعدةٍ صناعيّةٍ وتقنيةٍ وطنيةٍ، إلى جانبِ بناءِ كوادرَ بشريةٍ محترفةٍ في الخدمةِ والاحتياط، يُرسّخُ مفهومَ الأمنِ الوطنيِّ المرنِ القادرِ على التصدّي لمختلفِ التهديداتِ بكفاءةٍ واستباقيّة.في الختام، ليست رسالةُ جلالةِ الملكِ حولَ هيكلةِ الجيشِ مجرّدَ توجيهٍ إداريٍّ عابرٍ، بل هي إعلانٌ عن رؤيةٍ استراتيجيةٍ لبناءِ قوّةٍ دفاعيّةٍ أردنيّةٍ أكثرَ حداثةً ومرونةً. ويضمنُ هذا التحوّلُ الاستراتيجيُّ أمنَ الأردنِّ واستقرارَهُ لعقودٍ قادمةٍ، ويُثبتُ أنَّ القواتَ المسلحةَ الأردنيةَ ستبقى في طليعةِ الجيوشِ المحترفةِ القادرةِ على حمايةِ الوطن. وبفضلِ التخطيطِ العلميِّ والرؤيةِ الاستشرافيّة، يُواكبُ الأردنُّ تطوّرَ فنِّ الحربِ ومتطلّباتِ الدفاعِ الحديثة، محافظًا على سيادتِه وأمنِه القومي.شطناوي يكتب: قراءة في رسالة الملك إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة
مدار الساعة ـ










