أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخوالدة يكتب: هيكلة الهوية الوطنية


زكي الخوالدة

الخوالدة يكتب: هيكلة الهوية الوطنية

مدار الساعة ـ

عندما يُركّز جلالة الملك عبدالله الثاني المعظّم، في كثير من اللقاءات والخطابات، على المعنى ويتحدّث بالأمر والفعل عن هيكلة الهوية الوطنية، فإنما يوجّه البوصلة الوطنية إلى ضرورة إعادة تنظيم وفهم وبناء عناصر هذه الهوية بصورة واعية ومتوازنة؛ هوية تكون ثابتة في جوهرها، مرِنة في تعبيرها، قادرة على الإسهاب حين يقتضي المقام، والإيجاز حين يستدعي الحكمة، جامعةً للحيثيات لا مُقصية، ومُوحِّدة لا مُجزِّئة.

غير أنّ الفتن لا تهدأ، والواقع المأزوم كثيرًا ما يشيطن المعنى، فيزرع في بعض العقول مرضًا مدسوسًا، يروّج لفكرة أن هيكلة الهوية الوطنية تعني تغييرها أو استبدالها. وهي مقولة تُجافي الحقيقة، وتبتعد كل البعد عن جوهر الخطاب الملكي ومقاصده.

فالانتماء للأردن دولةً وأرضًا يسري في دمائنا، والتاريخ المشترك رسمنا على فسيفساء واحدة، والقيم الدستورية خُطّت بقلم وعيِنا الجمعي، والتنوّع الاجتماعي والثقافي نغرسه في صغارنا قبل كبارنا. لكنّ المعاني، للأسف، كثيرًا ما تضيع في عقول الجهل، بين منطوقٍ لم يُقصد، ومقصودٍ لم يُنطق.

لا شكّ أنّ الهوية الوطنية بحاجة إلى هيكلة في صُلبها ولُبّها، لا على سبيل التبديل، بل على طريق التحصين والبناء. وتقوم هذه الهيكلة على مرتكزات واضحة، لعلّ أبرزها:

أولًا: تعزيز مفهوم المواطنة لدى الفرد، بحيث تكون العلاقة بينه وبين الدولة قائمة على الحقوق والواجبات، لا على الأصل أو الجغرافيا أو الخلفية الاجتماعية، في ظلّ دولة القانون والمؤسسات.

ثانيًا: تحصين الهوية الوطنية من التسييس أو التفكيك، وذلك بحمايتها من الاستغلال السياسي، والاستقطاب الحاد، ومن الذوبان في هويات فرعية متنازعة تُضعف الهوية الجامعة ولا تُغنيها.

ثالثًا: مواءمة الهوية الوطنية مع متطلبات الدولة الحديثة، بحيث يكون التنوّع في الأصول والمنابت مصدرَ إثراءٍ وقوة، لا مدخلَ ضعفٍ أو انقسام، وبما ينسجم مع مؤسسات الدولة، في إطار العدالة وتكافؤ الفرص.

وقد أكّد جلالة الملك عبدالله الثاني المعظّم مرارًا أن الهوية الوطنية الأردنية هي هوية جامعة، تستوعب الجميع تحت مظلّة سيادة القانون، وتشكل الركيزة الأساسية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

وعند التأمّل في الخطاب الهاشمي، نلحظ دقّة الانتقاء في استخدام لفظة الهيكلة؛ فهي لا تُستعمل عبثًا، بل تشير إلى وجود تداخل أو تشويش في الأدوار، أو غياب في الترتيب الواضح للأولويات، ما يستدعي إعادة تنظيم واعية لا إعادة تعريف للذات.

وعليه، فإن المعنى الحقيقي لهيكلة الهوية الوطنية لا يدعو إلى التساؤل عن “من نحن”، بل إلى تنظيم الكيفية التي نكون بها أردنيين داخل دولة حديثة؛ دولة تقوم على وعي وطني منظّم، جامع، يرتكز على المواطنة والدستور، ويحفظ التنوع دون أن يسمح له بتفكيك الوحدة، ويصون الهوية دون أن يُجمّدها، ويطوّرها دون أن يُفرّط بجوهرها.

مدار الساعة ـ