يقف حزب جبهة العمل الإسلامي اليوم على مفترق طرق وجودي، لا يقتصر على مجرد تعديل بنود في نظام داخلي أو تغيير لافتة، بل يلامس جوهر العلاقة التاريخية بينه وبين التنظيم الأم، جماعة الإخوان المسلمين؛ فالمشهد الراهن، الذي يتسم بتقديم الحزب لتعديلات على نظامه الداخلي إلى الهيئة المستقلة للانتخاب، ليس سوى فصل جديد في مسرحية التكيّف التنظيمي التي يتقنها هذا التيار، محاولاً النجاة من مقصلة القانون المحلي وضغوط التصنيفات الدولية المتصاعدة.
فإذا ما وجّه سؤال لأي خبير سياسي حزبي مُطّلع على خفايا تنظيم الإخوان في الأردن والمنطقة والعالم عمّا يراه من خلال ادعاءات التغيير، ستكون الإجابة بانه لا يرى في هذه التعديلات، التي تتحدث عن حوكمة داخلية وحصر للقرار في بضعة آلاف من الأعضاء المسجلين، سوى محاولة لـ ذر الرماد في العيون؛ فبينما يتظاهر الحزب بالانصياع للمتطلبات القانونية التي تحظر تأسيس الأحزاب على أساس ديني، يظل الارتباط العضوي والمالي بالتنظيم المحظور هو المحرك الخفي والرافعة الحقيقية لثقله السياسي. التقارير الاعلامية الرسمية، لا سيما تلك التي كشف عنها مؤخراً، تؤكد وجود فجوة هائلة بين الميزانية المعلنة للحزب والتمويل الفعلي لحملاته الانتخابية، وهو ما يشير بوضوح إلى أن الحزب ليس إلا خزانة قانونية يتم عبرها تبييض أموال التنظيم السري، مما ينسف أي ادعاء بالشفافية أو الاستقلال المالي أمام الهيئة المستقلة؛ ولقد أثبتت تجارب الإخوان المسلمين عبر عقود من الزمن قدرتهم الفائقة على التلاعب بالمسميات والتقية السياسية، فالتخلي عن مفردة (الإسلام) في الاسم أو شطب بند (تطبيق الشريعة) من الأهداف، ليحل محله (القيم الإيمانية) أو (المرجعية الوطنية)، ليس تحولاً فكرياً نحو المدنية، بل هو انحناء تكتيكي للعاصفة فهذا التكيف الشكلي يهدف إلى الحفاظ على (النواة الصلبة) للفكر الذي يسعى للتمكين والسلطة عبر استغلال أدوات الديمقراطية، مع الإبقاء على البيعة التنظيمية غير المعلنة هي الموجه الحقيقي للقرار السياسي.فالخطر لا يكمن في البنود الورقية التي أرسلها الحزب إلى الهيئة المستقلة، بل في ازدواجية الولاء التي تسمح للحزب بأن يرتدي قناع (الحزب الوطني) في أوقات الرخاء، ثم يسقط هذا القناع ليظهر وجه (التنظيم العقائدي) الذي يستغل الأزمات الإقليمية للتحريض على الأرض الأردنية، ساعياً لزعزعة الاستقرار تحت غطاء (العمل الشعبي)؛ فما يمارسه الحزب اليوم هو عملية تجميلية شاملة لنظام شمولي، محاولاً أن يشتري لنفسه شرعية البقاء في المشهد السياسي بأقل قدر من التنازلات الجوهرية؛ فالمصداقية الحقيقية لا تولد من رحم التعديلات اللفظية، بل من القطيعة الإبستمولوجية والتنظيمية الكاملة مع التنظيم الأم، وهو ما لا يبدو في الأفق، مما يجعل من هذه الخطوات الأخيرة مجرد مناورة مكشوفة لا تنطلي على عين خبير بهم وفكرهم.على الهيئة المستقلة للانتخابات، وهي تدرس النظام الداخلي المرسل لهم، أن تضع يدها على مفتاح الحوكمة الحقيقية الذي يريده كل من الشعب والدولة؛ فإما أن تنجح هذه المناورة في تمرير مخاطر الفكر التنظيمي عبر بوابات الشرعية، أو أن تصر الدولة على أن يكون الالتزام بالقانون شاملاً، لا شكلياً، وأن يكون الفصل بين الحزب والتنظيم فصلاً حقيقياً لا مجرد تغيير لليافطات؛ فالمستقبل السياسي الأردني يتوقف على مدى عمق هذا الفصل، ومدى قدرة المؤسسات على تجاوز قشور التعديلات إلى لب الحقيقة التنظيمية.العمرو يكتب: تبييض المسميات في مواجهة استحقاقات الدولة الأردنية
مدار الساعة ـ