تشكل رسالة جلالة الملك عبدﷲ الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، خطوة استراتيجية هامة، تعكس رؤية متقدمة لإعادة صياغة القدرات العسكرية الأردنية في مواجهة التهديدات المتزايدة والمتغيرة.
وتعد هذه الرسالة وثيقة توجيهية استثنائية، إذ تتجاوز الأطر التقليدية للتطوير العسكري لتؤسس لتحول بنيوي شامل خلال فترة زمنية محددة بثلاث سنوات، في صلب هذه الرسالة يكمن مفهوم التحول البنيوي، الذي يذهب أبعد من مجرد تحديث المعدات أو إدخال قدرات إضافية، ليشمل إعادة تصميم الهياكل التنظيمية، وتطوير العقيدة القتالية، وتعزيز أساليب القيادة والسيطرة، ويشير هذا التوجه إلى وعي القيادة العليا بأن طبيعة الحروب الحديثة لم تعد تقليدية، وأن الفاعلية العسكرية اليوم تعتمد على المرونة، والاستجابة السريعة، والتكامل بين مختلف المجالات العملياتية.كما تعكس الرسالة إدراكاً عميقاً لتحديات الحروب الهجينة وغير التقليدية، حيث تتداخل العمليات الميدانية مع الأنشطة السيبرانية والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، وتستهدف مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية. ويبرز التركيز الملكي على إعادة الهيكلة كوسيلة لضمان إتقان أساليب القتال الحديثة، وتحقيق القدرة على التكيف مع بيئات عمليات متغيرة ومعقدة، وهو ما يعزز كفاءة القوات في مواجهة التهديدات المتعددة الأبعاد.الرسالة تؤكد على أهمية الجاهزية والرشاقة العسكرية، إذ وصف جلالة الملك القوات المسلحة بأنها يجب أن تكون رشيقة ومرنة ونوعية، مع الحفاظ على مستويات عالية من الكفاءة والاحترافية القتالية. ويعكس هذا التوجه استراتيجيته في الردع النوعي، حيث تعتمد القوة على التفوق النوعي في القدرات والمهارات وليس على الحجم العددي وحده، وهو ما يتيح للقوات مواجهة تهديدات متنوعة دون التضحية بالكفاءة أو الاستدامة.من الأبعاد البارزة أيضاً في الرسالة التركيز على التكنولوجيا والقدرة التنافسية المستقبلية، إذ دعت إلى الاستثمار في العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية، وتوظيف الأنظمة المسيرة والذكاء الاصطناعي عبر جميع المستويات التنظيمية. هذا التوجه يعكس فهم القيادة العليا لأهمية الابتكار التكنولوجي كعنصر أساسي في تعزيز القوة النوعية للقوات المسلحة، ويضمن المحافظة على القدرة التنافسية في بيئة أمنية متسارعة التطورات.كما أبرزت الرسالة أهمية التكامل المؤسسي والإسناد اللوجستي، من خلال تعزيز التعاون بين القوات المسلحة وبقية الأجهزة الأمنية، بما يشمل وحدات حرس الحدود والدرك والشرطة الخاصة، وإعادة هيكلة منظومة الإسناد لضمان استدامة العمليات وانسيابية خطوط الإمداد. ويظهر هذا الاهتمام باللوجستيات والاستدامة العملياتية كعامل أساسي لتحقيق الجاهزية والفعالية على المدى الطويل.من جهة أخرى، أولت الرسالة اهتماماً خاصاً بالصناعات الدفاعية والحوكمة المؤسسية، حيث دعت إلى تعزيز دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليصبح نواة وطنية للبحث والتطوير في الصناعات الدفاعية المتقدمة، مع إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للقوات المسلحة وفق أعلى معايير الحوكمة. ويعكس هذا التوجه الاستراتيجي الجمع بين الاستقلالية الدفاعية والكفاءة المؤسسية والقدرة على الابتكار.في الختام ، تمثل رسالة جلالة الملك عبدﷲ الثاني خارطة طريق متكاملة لتحديث وبناء القوات المسلحة الأردنية على أسس نوعية واستراتيجية واستباقية، وهي تؤكد على الرؤية الشاملة للقيادة العليا، التي تجمع بين العمق الاستراتيجي، والتطوير المؤسسي، والجاهزية العملياتية، بما يعزز مكانة الجيش العربي كركيزة أساسية للأمن الوطني واستقرار المملكة.الخريسات يكتب: رسالة الملك خارطة طريق لمستقبل القوات المسلحة الأردنية
مدار الساعة ـ