أجيال تُربّى على القلق
في بداية كل شهر، يدخل الراتب إلى الحساب بهدوء، بلا احتفال، كضيف يعرف مسبقًا أنه لن يطيل البقاء. تمر ساعات قليلة، وربما أيام، ثم يبدأ بالاختفاء تدريجيًا، لا بسبب الكماليات، بل لأن أساسيات الحياة أصبحت أثقل من طاقة أي دخل. منذ تلك اللحظة، يبدأ سباق صامت مع الأيام المتبقية من الشهر، ويصبح السؤال الحقيقي ليس كيف نعيش، بل كيف نصل إلى النهاية بأقل الخسائر.المواطن لا يجلس لعدّ أحلامه، بل لعدّ فواتيره. كهرباء، ماء، إيجار، مواصلات، طعام، تعليم، دواء… قائمة طويلة لا تعرف الرحمة ولا تنتظر نهاية الشهر. ومع كل رقم يُخصم، يتقلص هامش الأمان، ويكبر سؤال صامت في ذهن كل بيت: كيف سنكمل؟الغريب أن المواطن لم يعد يشتكي كما في السابق. لم يعد يرفع صوته كثيرًا، ولم يعد يكتب غضبه كما كان. التعب فعل ما لم تفعله القوانين، فأصبح الصمت لغة، وأصبحت النظرة المرهقة أصدق من ألف شكوى. المواطن اليوم لا يبحث عن ترف، بل عن توازن، عن شعور عادل بأن جهده في العمل يقابله حدّ أدنى من الاستقرار.في الأسواق، لم يعد الناس يقارنون بين الجيد والأفضل، بل بين الممكن والمستحيل. ترى رب الأسرة يقف طويلًا أمام الرفوف، يقارن الأسعار، يحسب في رأسه، ثم يعيد ما لا يستطيع تحمله إلى مكانه. الأم تؤجل شراء ما تحتاجه، والأب يؤجل حتى حاجته الشخصية، والطفل يتعلم مبكرًا أن كلمة “لاحقًا” قد لا تأتي.الأزمة لم تعد في ارتفاع الأسعار وحده، بل في الإحساس المتراكم بأن الحياة أصبحت سباقًا خاسرًا. مهما ركض المواطن، يشعر أن خط النهاية يبتعد. يعمل أكثر، يقلق أكثر، لكنه لا يرى فرقًا حقيقيًا في نهاية الشهر. وهنا تبدأ الخسارة الأخطر: خسارة الطمأنينة.الإعلام ينقل الأرقام، يكرر التصريحات، ويتحدث عن نسب ومؤشرات، لكن المواطن يقيس الأمور بطريقة أبسط وأقسى. يسأل نفسه كل يوم: هل أستطيع أن أعيش دون قلق؟ هل أستطيع أن أؤمّن مستقبل أولادي؟ هل ما زال للتعب مقابل حقيقي؟ وحين تكون الإجابة ضبابية، تفقد الأرقام معناها.الأخطر من الغلاء هو الاعتياد عليه. حين يصبح الضغط أمرًا طبيعيًا، ويتحول القلق إلى روتين يومي، وتصبح أحاديث المصاريف أعلى من أحاديث الأحلام، نكون أمام مشكلة أعمق من أزمة اقتصادية. نكون أمام نمط حياة يُعاد إنتاجه داخل البيوت، دون وعي، ودون قرار.في كل بيت حكاية لا تُروى للإعلام ولا تُكتب في التقارير. رجل يبتسم خارجًا ويختنق داخلًا، امرأة تدير البيت بحكمة القلق، طفل يسمع الحوار المتكرر عن المصاريف فيصمت قبل أوانه. هذه ليست حالات فردية، بل مشهد عام يتكرر بأسماء مختلفة.العبرة المؤلمة أن المواطن لم يعد يطلب الكثير. لم يعد يحلم ببيت أكبر، ولا بسيارة أحدث، ولا بسفر مؤجل. حلمه أصبح بسيطًا حدّ الوجع: أن يصل آخر الشهر دون ديون، دون إحساس بالعجز، ودون خوف من طارئ صغير قد يقلب كل الحسابات.وفي نهاية الشهر، حين ينظر المواطن إلى ما تبقى في محفظته أو حسابه، لا يرى رقمًا فقط، بل يرى شهرًا كاملًا من التعب مرّ دون أن يترك أثرًا. يطوي الصفحة، ويستعد للشهر الجديد، وهو يعلم أن الحكاية ستُعاد بالحرف نفسه.وهنا تكمن النهاية الحزينة:أن يعتاد المواطن هذا الدوران، وأن يواصل الحياة وهو يعلم أن الغد قد لا يكون أفضل، وأن أقصى طموحه أصبح ألا تسوء الأمور أكثر.ليس لأن المواطن ضعيف، بل لأن الحمل أصبح أثقل من الصبر، وأطول من الأمل، ولأننا بصمتٍ طويل… نُربّي أجيالًا على القلق قبل أن نُعلّمها كيف تحلم.العشي يكتب: بين الراتب ونهاية الشهر… حكاية لا تنتهي
مدار الساعة ـ