تشكل مدونة سلوك الوزراء إحدى الأدوات الأساسية في ترسيخ مبادئ الحاكمية الرشيدة وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، باعتبارها إطارًا ناظمًا للسلوك العام يحدد بوضوح ما هو جائز وما هو غير جائز أثناء تولي المنصب وبعد مغادرته.
الحديث عن المدونة لا يأتي من باب الجدل أو التشكيك، لكن من باب التأكيد على أهميتها كقاعدة مؤسسية تهدف إلى حماية القرار العام وصون النزاهة وتعزيز مصداقية العمل الحكومي.التجربة الأردنية في هذا المجال ليست جديدة، إذ شهد عام 2010 إقرار أول مدونة سلوك للوزراء خلال حكومة سمير الرفاعي، وكانت خطوة متقدمة في حينها، انسجمت مع أفضل الممارسات الدولية.جوهر هذه المدونة تمثل في وضع ضوابط واضحة لمسألة تضارب المصالح، وعلى رأسها النص الصريح الذي يمنع الوزير، لمدة سنتين بعد خروجه من المنصب، من العمل في أي قطاع أو جهة كانت على علاقة مباشرة بمهامه وقراراته الرسمية، وهذا القيد الزمني لا يستهدف الأشخاص، لكن يحمي المنصب نفسه، ويعزز الثقة بأن القرارات الحكومية تُتخذ للصالح العام، لا تمهيدًا لمنافع لاحقة.أهمية هذه المدونة تكمن في بعدها الوقائي، فهي لا تفترض سوء النية، بل تمنع وقوع الشبهة من الأساس، إذ إن انتقال الوزير مباشرة من موقعه العام إلى شركة أو قطاع كان يشرف عليه أو يتعامل معه يفتح الباب لتساؤلات مشروعة، حتى وإن كان العمل اللاحق قانونيًا من حيث الشكل.المدونة هنا تؤدي دورها في الفصل الواضح بين المسؤولية العامة والمصلحة الخاصة، وتؤكد أن الخدمة العامة مرحلة لها مقتضياتها وأخلاقياتها الخاصة.في المقابل، لا بد من مقاربة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار واقع الوزراء من حيث أوضاعهم الوظيفية والتقاعدية، فعدد من الوزراء لا يملكون أصلًا راتبًا تقاعديًا، ولا تنطبق عليهم شروط التقاعد المدني إلا إذا بلغت خدمتهم في مؤسسات الدولة 10 سنوات على الأقل، إذ إن الوزير المستقيل لا يستحق راتبًا تقاعديًا إلا إذا كان متقاعدًا سابقًا أو استكمل هذه المدة، وفي حال كانت خدمته أقل من 10 سنوات يحق له نقلها إلى الضمان الاجتماعي واحتساب اشتراكاته وفقًا لذلك.هذا الواقع يفرض التفكير بمسألة تكاملية لا تتعارض مع المدونة، لكن تدعمها، فمدونة السلوك التي تفرض على الوزير الامتناع عن العمل في قطاعات مرتبطة بعمله لمدة سنتين، تفترض ضمنيًا وجود حد أدنى من الأمان الوظيفي أو المعيشي يتيح له الالتزام بهذا القيد دون ضغط.ومن هنا، فإن تطوير المدونة أو تعزيزها لا ينفصل عن البحث في آليات عادلة ومنضبطة تضمن للوزير الاستقرار خلال هذه الفترة، دون أن تتحول إلى عبء على المال العام أو مساس بمبدأ العدالة.في المحصلة، تبقى مدونة سلوك الوزراء أداة تنظيمية ضرورية، وتجربة الأردن فيها تشكل أساسًا يمكن البناء عليه وتحديثه بما يتلاءم مع التطورات.وهي ليست إجراءً شكليًا، لكن ركيزة من ركائز العمل العام النزيه، تعزز الثقة، وتحمي القرار، وتؤكد أن المنصب الوزاري مسؤولية وطنية قبل أن يكون موقعًا وظيفيًا، ضمن إطار متوازن يجمع بين النزاهة والعدالة المؤسسية.