أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

إعادة بناء القوة: قراءة في توجيهات ملكية


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

إعادة بناء القوة: قراءة في توجيهات ملكية

مدار الساعة ـ

عندما قرأت توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة بشأن إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي، لم أتعامل معها كنص رسمي أو رسالة بروتوكولية عابرة، بل كنص استراتيجي مكثّف يعكس عقلية قائد عسكري يعرف تماماً أين يقف العالم، وإلى أين تتجه الصراعات، وما الذي يجب أن يكون عليه الجيش إذا أراد أن يبقى ضامناً حقيقياً للأمن الوطني لا مجرد قوة تقليدية تؤدي دورها بانتظار الطوارئ.

ما يلفتني أولاً في هذه التوجيهات هو أنها لا تنطلق من شعور بالتهديد الآني، بل من وعي عميق بأن الخطر الحقيقي يكمن في التأخر عن التغيير، وفي الاطمئنان الزائف إلى أدوات لم تعد كافية في عالم يعاد تشكيله كل يوم.

أقرأ في رسالة جلالة الملك إدراكاً واضحاً بأن الأمن لم يعد مفهوماً ساكناً، وأن الجيوش التي لا تتحرك مع الزمن تصبح عبئاً على دولها لا ضمانة لها. لذلك، فإن الدعوة إلى تحول بنيوي خلال ثلاث سنوات ليست مجرد مهلة زمنية، بل هي تعبير عن فلسفة دقيقة توازن بين الحاجة إلى سرعة الإنجاز، وبين خطورة القفز غير المدروس في مسار بالغ التعقيد. فالملك هنا لا يطلب تغييراً شكلياً، بل انتقالاً واعياً نحو نموذج عسكري جديد يتناسب مع طبيعة الحروب الهجينة وغير النظامية، حيث تختلط الجبهة العسكرية بالفضاء السيبراني، وتصبح المعلومة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عناصر حسم لا تقل أهمية عن السلاح التقليدي.

ما أراه جوهرياً في هذه التوجيهات هو أن جلالة الملك لا ينظر إلى التكنولوجيا كغاية بحد ذاتها، بل كأداة ضمن منظومة متكاملة قوامها الإنسان أولاً. فالتأكيد المتكرر على تمكين الكوادر البشرية، وتطوير التدريب، وبناء الخبرات، يكشف فهماً عميقاً بأن امتلاك أحدث الأنظمة دون عقل قادر على إدارتها وتحليلها واتخاذ القرار السليم بناءً عليها، هو استثمار ناقص وربما خطر. في هذا السياق، تبدو إعادة الهيكلة المطلوبة إعادة تفكير في الثقافة العسكرية ذاتها، وفي طريقة إعداد الضابط والجندي، وفي مفهوم القيادة والسيطرة في بيئات عمليات لم تعد خطية ولا متوقعة.

ويشدني في رسالة جلالة الملك ذلك التوصيف المكثف لشكل القوات المسلحة -الجيش العربي المستقبلية بثلاث كلمات: رشيقة، مرنة، نوعية. هذه ليست أوصافاً إنشائية، بل مفاهيم عملياتية دقيقة. فالجيش الرشيق هو القادر على الحركة السريعة واتخاذ القرار المَرِن، والجيش المتطور هو الذي يتكيف مع السيناريوهات المتغيرة دون أن يفقد توازنه، أما الجيش النوعي فهو الذي يعوّض محدودية الموارد بالابتكار والتكامل وحسن التوظيف.

ومن هنا أفهم أن الهدف النهائي ليس التوسع العددي، بل تحقيق ردع استراتيجي ذكي، يجعل كلفة المساس بالأمن الأردني أعلى من أي مكسب محتمل.

كما أقرأ في التوجيهات الملكية رسالة سياسية وأمنية مزدوجة؛ رسالة طمأنة للداخل بأن الدولة لا تنتظر المفاجآت، ورسالة محسوبة للخارج بأن الأردن يطوّر قدراته بهدوء وثقة، ولا يترك أمنه رهينة للتوازنات أو حسن النوايا. فالإشارة العلنية إلى حماية مراكز الثقل الاستراتيجية، وإلى منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات الآمنة، ليست تفصيلاً عابراً، بل تأكيد على أن مفهوم الردع الأردني يقوم على الجاهزية الشاملة، لا على ردود الفعل.

ولا يمكن، من وجهة نظري، فصل هذه التوجيهات عن البعد الاقتصادي والاستراتيجي طويل المدى، خصوصاً في ما يتعلق بالصناعات الدفاعية. إصرار جلالة الملك على إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير وتعزيز إمكانياته، يعكس قناعة راسخة بأن الاستقلال العسكري يبدأ من القدرة على البحث والتطوير والتصنيع، لا من الاكتفاء بالاستيراد. وهذا التوجه لا يخدم فقط القوات المسلحة، بل يبني قاعدة معرفية وصناعية وطنية، ويمنح الأردن هامش قرار أوسع في عالم شديد التقلب.

وكذلك فإن التطرق إلى إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للجيش يؤكد أن الرؤية الملكية لا تغفل الحوكمة والشفافية والكفاءة الإدارية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من قوة المؤسسة العسكرية واستدامتها.

في المحصلة، أجد أن توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ليست مجرد أمر عسكري، بل وثيقة تفكير استراتيجي تعكس وعياً مبكراً بتحولات العالم، وإيماناً بأن القوة الحقيقية للدولة تكمن في قدرتها على التكيّف. إنها رسالة ثقة بالجيش، لكنها في الوقت نفسه تحميلٌ واعٍ للمسؤولية، ورسالة واضحة بأن الحفاظ على أمن الأردن يتطلب شجاعة التغيير بقدر ما يتطلب شجاعة القتال.

وفي هذا السياق، لا يمكن إلاّ التأكيد على أن القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، بما تحمله من تاريخ مشرّف وتضحيات راسخة، كانت وستبقى عنوان الانتماء الصادق للدولة، وركيزة الاستقرار الوطني، ومحل ثقة الأردنيين جميعاً. فهذا الجيش الذي صاغ هويته بالالتزام والانضباط، وراكم خبراته في ميادين الواجب داخل الوطن وخارجه، أثبت عبر العقود أنه مؤسسة وطنية جامعة، تتقدّم الصفوف حين يُنادى الواجب، وتعمل بصمت وكفاءة بعيداً عن الاستعراض. ومن هنا، فإن أي عملية تحديث أو إعادة بناء لا تنطلق من فراغ، بل تستند إلى إرث عسكري راسخ، وإلى رجالٍ آمنوا بأن شرف الخدمة لا ينفصل عن شرف الانتماء، وأن حماية الأردن كانت وستبقى مهمة تُؤدّى بعقيدة راسخة، وولاء لا يتزحزح، واستعداد دائم للتضحية.

مدار الساعة ـ