لم يكن لقاء دولة الدكتور هاني الملقي في منتدى الحموري حديث حنين إلى موقع، ولا دفاعًا عن مرحلة، بل كان في تقديري محاولة واعية لشرح منطق الدولة كما يُفكّر به صانعو القرار، لا كما يُقدَّم في الخطابات الشعبوية أو السجالات السطحية، حديثه انطلق من فكرة محورية كررها بأكثر من صيغة،، أن إدارة الدولة ليست ترفًا سياسيًا، بل مسؤولية تُتخذ أحيانًا بقرارات صعبة لحماية الكيان لا الشعبية.
من أبرز ما قاله دولته، وأراه جوهريًا، تأكيده أن الأردن كان ولا يزال دولة محكومة بمعادلة دقيقة بين الاستقرار المالي والسياسي، وأن أي اختلال في أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر، هذا الطرح لا يُقال عادة في المنابر العامة بهذه الصراحة، لكنه قاله بوضوح، حين أشار إلى أن بعض القرارات الاقتصادية التي اتُّخذت في مراحل سابقة لم تكن خيارًا مريحًا، بل ضرورة فرضتها التزامات الدولة واستحقاقاتها.تحليلي لهذا الطرح أن الملقي لم يكن يطلب تفهمًا عاطفيًا، بل كان يدعو إلى فهم بنيوي لطبيعة الدولة الأردنية، دولة مواردها محدودة، لكنها غنية بإدارتها، وبقدرتها على تفادي الانهيارات التي عصفت بدول أكبر وأغنى، وهذا الخطاب يعيد الاعتبار لفكرة أن النجاح في إدارة الرابع لا يُقاس فقط بما يُمنح، بل بما يُمنع من الانهيار.وفي حديثه عن العلاقة مع المؤسسات الدولية، كان لافتًا قوله، بمعناه إن الأردن لم يكن يومًا دولة تتلقى الإملاءات دون نقاش، بل دولة تفاوض وتحاول حماية قرارها الوطني ضمن هامش الممكن، هنا لا يقدّم الملقي نفسه كمُنفّذ، بل كجزء من مدرسة سياسية ترى أن السيادة تُصان بالعقل لا بالمواجهة غير المحسوبة، وهو طرح ناضج في منطقة تُدفع فيها الدول أحيانًا إلى قرارات انفعالية مكلفة.كما توقّف دولته عند مسألة تحميل الحكومات وزر التراكمات، معتبرًا أن كثيرًا من الأزمات الاقتصادية هي نتاج مسار طويل لا يمكن اختزاله في حكومة أو اسم، في رؤيتي، هذه ليست محاولة تنصّل، بل دعوة إلى نقاش أكثر عدالة ونضجًا في تقييم التجارب، بعيدًا عن الشخصنة التي تُفسد أي حوار وطني.حديثه عن السياسة لم يكن أقل عمقًا، حين شدد على أن غياب الثقة بين المواطن والحكومات هو أخطر من أي عجز مالي، كان يضع إصبعه على جرح الدولة الحقيقي، الثقة كما قال ضمناً، لا تُستعاد بالقرارات وحدها، بل بالشرح، والمصارحة، وإشراك الناس في فهم التحديات، وهذا ما فعله في المنتدى،، شرح، لا تبرير.الأهم في لقاء الملقي، من وجهة نظري، أنه أعاد الاعتبار إلى خطاب رجل الدولة الذي لا يُغازل الشارع ولا يستفزه، بل يخاطبه باحترام، ويُحمّله جزءًا من المسؤولية المعنوية في فهم الواقع، لم يتحدث من برج عاجي، ولم ينزل إلى لغة المزاودة، بل بقي في منطقة العقل، حيث تُدار الدول.منتدى الحموري، في هذا اللقاء، شكّل مساحة حقيقية للنقاش، ودولة هاني الملقي قدّم نموذجًا لسياسي خرج من المنصب، لكنه لم يخرج من التفكير بالدولة، وهذا فارق جوهري بين من يرى المسؤولية مرحلة، ومن يراها التزامًا مستمرًا.خلاصة القول، أرى أن حديث دولة الدكتور هاني الملقي كان إضافة نوعية للنقاش الوطني، ليس لأنه قدّم حلولًا سحرية، بل لأنه قدّم فهمًا عميقًا لمنطق القرار، وذكّرنا أن الدول لا تُدار بردود الفعل، بل بالخبرة، والتوازن، والقدرة على قول الحقيقة مهما كانت غير شعبية،، ففي زمن الضجيج… يظل صوت الدولة الهادئ أكثر الأصوات حاجةً للإنصات.الزعبي يكتب: قراءة تحليلية في لقاء هاني الملقي في منتدى الحموري
مدار الساعة ـ