أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخوالدة يكتب: إيران في اختبار البقاء: سياسة أنهكت الإقليم وارتدت على الداخل


د. زيد احسان الخوالدة

الخوالدة يكتب: إيران في اختبار البقاء: سياسة أنهكت الإقليم وارتدت على الداخل

مدار الساعة ـ

ليست الأزمة التي تواجهها إيران اليوم وليدة تطورات آنية أو ضغوط طارئة، بل هي نتيجة مسار سياسي طويل بُني منذ قيام ما سُمّي بـ«الثورة الإسلامية». فمنذ بدايتها، لم يتشكّل المشروع الإيراني بوصفه مشروع دولة حديثة بقدر ما أعاد إنتاج هوية قومية فارسية في إطار أيديولوجي ديني، استُخدم فيه الخطاب العقائدي كأداة تعبئة سياسية لا كقاعدة لبناء نظام إقليمي متوازن.

لقد جرى العراق إلى حرب لم تكن خيارًا عربيًا ولا مطلبًا إسلاميًا، بل جاءت في سياق هندسة صراع إقليمي هدفه إعادة توزيع النفوذ لا تحقيق الاستقرار. ومنذ ذلك الحين، دخلت المنطقة في سلسلة نزاعات متتابعة أنهكت دولها، وأضعفت بنيتها السياسية والاقتصادية، وفتحت المجال لتدخلات دولية متزايدة.

المفارقة التاريخية اللافتة أن الخميني نفسه عاش في العراق ضيفًا مكرّمًا قبل أن يعود إلى طهران بطائرة فرنسية محمّلًا بإرث سياسي لم يتحرر من عقدة الماضي الإمبراطوري. ففي الوقت الذي تجاوزت فيه أغلب الدول العربية منطق الثأر التاريخي عبر تبنّي نموذج الدولة الوطنية الحديثة، ظل المشروع الإيراني أسير تصورات قديمة أُعيد تغليفها بشعارات ثورية.

وأخيرًا وليس آخرًا، نجحت إيران – عبر سياساتها الإقليمية – في شلّ جزء كبير من المجال العربي والإسلامي، محاولة أن تضع نفسها في موقع “الشرطي” غير المعلن للمنطقة. أما شعارات “الموت لإسرائيل” و”الشيطان الأكبر”، فقد فقدت كثيرًا من فاعليتها الرمزية، وباتت تُستخدم أكثر لتبرير حالة تعبئة داخلية دائمة، تُبقي البلاد في حالة طوارئ سياسية واقتصادية تستنزف المجتمع من الداخل.

إن الإشكالية لا تكمن فقط في طبيعة الخطاب، بل في نتائجه الاستراتيجية: فالدولة التي تبني نفوذها على تفكيك محيطها، تجد نفسها في نهاية المطاف محاطة بتداعيات هذا التفكيك. ووفق منطق السياسة الواقعية، فإن تراكم الأزمات الإقليمية لا يولّد قوة مستدامة، بل يراكم هشاشة داخلية مؤجلة.

الأخطر من ذلك أن أي انزلاق داخلي واسع في إيران لن تبقى آثاره محصورة داخل حدودها الجغرافية، بل ستطال محيطها المباشر، بما يحمله ذلك من مخاطر فوضى إقليمية جديدة في منطقة لم تتعافَ بعد من صدمات العقدين الماضيين. وهنا تتحول الأزمة من شأن داخلي إلى عامل تهديد للأمن الإقليمي برمّته.

ويطرح المشهد الراهن سؤالاً محورياً: هل ينتهي المطاف بإيران إلى انزلاق داخلي شامل يرهق الدولة والمجتمع؟ تجربة فرق التفتيش في العراق تذكرنا بأن التعاون الدولي يمكن أن يتحوّل من أداة للرقابة إلى عامل لتفكيك الدولة نفسها، لا لحمايتها. وفي ضوء تراكم الأزمات الداخلية والخارجية، يبدو أن إيران تواجه اختبارًا حقيقيًا لاستدامة مشروعها، حيث أن أي انزلاق داخلي واسع لن يقتصر أثره على حدودها، بل سيعيد تشكيل ديناميكيات الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها.

مدار الساعة ـ