أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عندما تتجاور العواصف المتناقضة: هاري في المتوسط والعواصف الثلجية في روسيا


رائد رافد آل خطاب
مدير إدارة الأرصاد الجوية الأردنية

عندما تتجاور العواصف المتناقضة: هاري في المتوسط والعواصف الثلجية في روسيا

رائد رافد آل خطاب
رائد رافد آل خطاب
مدير إدارة الأرصاد الجوية الأردنية
مدار الساعة ـ

قد يبدو للوهلة الأولى أن ما شهده البحر الأبيض المتوسط من عاصفة مطرية عنيفة، وما تعرضت له مناطق في أقصى شرق روسيا من عواصف ثلجية استثنائية، هما حدثان منفصلان لا رابط بينهما. إلا أن التحليل العلمي لديناميكية الغلاف الجوي يكشف أن هذين الحدثين، رغم اختلاف مظاهرهما، ينتميان إلى الصورة ذاتها: صورة مناخ عالمي يتجه نحو مزيد من التطرف وعدم الاستقرار.

في منتصف الأسبوع الماضي، تشكلت العاصفة المتوسطة «هاري» كنظام منخفض متوسطي متعمّق، نتج عن تلاقي منخفض علوي بارد مع مياه سطحية أكثر دفئًا من المعدلات المناخية. هذا التفاعل أوجد بيئة مثالية لعدم الاستقرار الجوي، وأدى إلى أمطار رعدية غزيرة، رياح قوية، واضطراب بحري شديد أثّر بشكل مباشر على السواحل التونسية وجنوب إيطاليا، ولا سيما جزيرة صقلية. وقد برز في هذه الحالة الدور الكبير للطاقة الكامنة المنطلقة من تكاثف بخار الماء، والتي ساهمت في تعمّق المنخفض وزيادة حدة تأثيراته، ورفعت من مخاطر الفيضانات الساحلية وتآكل الشواطئ.

في الوقت ذاته تقريبًا، كانت مناطق في أقصى شرق روسيا تشهد، وعلى النقيض تمامًا، عواصف ثلجية شديدة وتراكمات غير اعتيادية. هذه الحالة لم تكن نتيجة تبريد محلي عابر، بل نتاج اندفاع كتل هوائية قطبية شديدة البرودة، سمح بها تعرّج واضح في مسار التيار النفاث. هذا التعرّج أتاح للهواء القطبي الانزلاق جنوبًا، حيث التقى برطوبة بحرية محلية، فنتجت عنه هطولات ثلجية كثيفة خلال فترات زمنية قصيرة، وتدني كبير في درجات الحرارة.

الربط بين هذين الحدثين لا يكمن في الشكل، بل في الخلفية الديناميكية المشتركة. فالتغير المناخي لا يعني مجرد ارتفاع تدريجي في درجات الحرارة، بل يعني – وهو الأهم – تغيرًا في سلوك أنظمة الغلاف الجوي. فارتفاع درجات حرارة البحار، خاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط، يزيد من محتوى بخار الماء في الجو، ما يجعل العواصف المطرية أكثر غزارة وشدة عندما تتوافر عوامل الرفع المناسبة.

في المقابل، تشير العديد من الدراسات المناخية الحديثة إلى أن الاختلال في التباين الحراري بين القطب والعروض الوسطى قد يؤثر في استقرار ومسار التيار النفاث، ويزيد من احتمالية التعرجات وحالات الحجز الجوي، الأمر الذي يسمح باندفاعات باردة قوية ومتكررة نحو العروض الوسطى، وحدوث موجات برد وعواصف ثلجية شديدة كما شهدته مناطق من روسيا.

إن ما نشهده اليوم هو تعبير واضح عن مناخ أكثر تطرفًا، تتجاور فيه الظواهر المتناقضة: أمطار غزيرة وفيضانات في جهة، وبرودة قياسية وثلوج كثيفة في جهة أخرى. ان إدارة مخاطر الطقس المتطرف أصبحت عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن الوطني والتنمية المستدامة في المرحلة المقبلة.

مدار الساعة ـ