كتبت الكثير من المقالات، لكنّي لم أشعر يومًا بالحب مثلما أشعر بهِ عندما يفيض قلمي ويُقرر أن يرمي بظلاله على السطور حتى يكتب عن الجيش.
الكتابة عن الجيش هي كتابة عن الهوية، وعن موروث، وهذا الموروث لم يتحقق إلا بتضحيات وفناء العمر ودم وشهادة في سبيل الأرض، الكتابة عنه أشبه بالدمع الذي يهطل مني ولاءً وانتماءً لأُمي بعدما أفنت عمرها من أجل أن نبقى بخير ، في كل مرة أجلس بها مع والدي ويتحدث بها عن خدمتهِ بالجيش تلمع عينيه و يغتاله الحنين الى الميادين، و يعتليه الشوق الى السرية والكتيبة ، الى حد هذهِ اللحظة (الحز) يُميز مقدمة رأسه وهذا الحز يتشكل نتيجة ارتداء البوريه لساعات طويلة وكلما أُشاهدهُ ، أُفكر بهذا الحز كم شهدَ على بطولات وتضحيات وفناء سنوات طويلة من العمر ، في مرحلة من المراحل هناك من وجه أصابع الإتهام ونعت الجيش ( باسوأ الصفات) وحينها تألمت كثيرًا و الى الأن كلما أرى من يرتدي الفوتيك يصحوا وجعي ، يتجدد و يُريد أن يتجسد على هيئة طفل يركض اتجاهه بلهفة يُريد أن يحضنه.الجيش مدرسة في الأخلاق و التضحيات و السمو و الإيثار ، كلَّ من فيه هم ابناء العشائر و القبائل الأردنية الذين اسقطوا اخلاقهم و عاداتهم وكرمهم على عملهم هناك ، فمثلًا لنذهب الى المدينة الطبية ، يستقبلك الجندي هلا سيدي واذا كانَ الذي امامهم كبير بالسن يستقبلهُ بإبتسامه مرددًا هلا يابوي ، من المستحيل أن تجد احدًا عابسًا في وجهك ، لنذهب مثًلا الى القيادة العامة، و هي أهم مبنى بالجيش ، يُطبقون التعليمات على الباب بكامل أدبهم وأخلاقهم ، يجعلونك تُطبقها خجلًا واحترامًا ، والأمثلة كثيرة ، أكثر ما يُثير عشقي اتجاه الجيش هو وفائهم الى من خدموا و افنوا اعمارهم من أجل البلد ، المتقاعدين العسكريين المحاربين القدامى ، لم يختلفونَ عن العاملين هناك و يوجد اهتمام كبير بهم ، هذا الفضل كلهُ يعود للتوجيهات الملكية السامية من القائد الأعلى للقوات المسلحة جلالة الملك حفظه الله و ادامَ ملكه المُخلص و الوفي لرفاقه بالسلاح ، هذهِ التوجيهات كلها لم تكن لتتحقق وتُطبَق لولا وجود قيادة حقيقية للجيش وهُنا أتحدث عن (الجنرال الدمث) ، صاحب الإبتسامة الجميلة الذي تُشبهنا و تُعبر عننا ، اللواء الركن يوسف الحنيطي ، يوسف باشا هو تعبير حقيقي عن الهوية، عن البداوة المجبولة بالكرم والشهامة، كلما أُشاهدهُ أشعر بأنني أعرفهُ جيدًا ، ربما لأنَّ تفاصيل وجهه تُشبه وجوه الأردنيين الشرفاء تمامًا ، حتى في زياراته الميدانية أُتابع أدق التفاصيل في لباسه العسكري ، أكثر ما يجذبني هي (قيافة الفوتيك ) عليه ، تشعر و كأنهُ الأناقة أبت الا أن تتجسد على هيئة رجل و هذا الرجل هو يوسف باشا ، لم تكن لي الحظوة بلقائه و التحدث معه عن قُرب لكن حتمًا ستبقى رغبتي بأن أجلس معهُ و نتحدث بدفء و وطنية خالصه ، حماه الله ، حمى الله الجيش و أدامه حصن البلد المنيع …