أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القيسي يكتب: حزب الوليّ الفقيه.. ثرثرة سياسية وتمييع للهوية


جمال القيسي

القيسي يكتب: حزب الوليّ الفقيه.. ثرثرة سياسية وتمييع للهوية

مدار الساعة ـ

يقول أينشتاين: «إذا عجزت عن شرح هدفك لطفل في السادسة من عمره بطريقة يستطيع فهمها، فأنت شخص غير واضح». وإذا أسقطنا هذه المقولة على واقع الأحزاب السياسية الأردنية، فلن نجد حزبا قادرا على شرح هدفه لطفل في السادسة، ولا حتى لرجل في الستين؛ باستثناء حزب جبهة العمل الإسلامي، الذي قد يختصر الشرح للطفل وللمسنّ بكلمة واحدة: الجنة.

تكمن معضلة الأحزاب الأردنية في أنها تراكم أخطاء الماضي العربي القريب، لا سيما نموذج القيادة المركزية؛ فكما كان هناك لقب "الرفيق الأعلى"، و"الزعيم الأوحد" في تجارب الأحزاب الحديدية، نجد اليوم زعامات مهيمنة داخل الأحزاب، تُحصى على أعضائها الأنفاس، ولا رادّ لقولها أو قرارها. القول قول "الوليّ الفقيه" ومقاليد الحزب بيده؛ يمنع أو يمنح، ويفكك هوية الحزب، ويغيّب لونه السياسي بذريعة "الظروف الحساسة والمرحلة الدقيقة" وذرائع أخرى تدفع للشك في مدى جدية التعامل الرسمي مع مشروع التحديث السياسي، رغم مرجعيته الملكية السامية.

يعقد الحزب مؤتمره التأسيسي أو العادي أو غير العادي، لا فرق. ويُعلن عن تشكيل هيئاته المنتخبة قبل أن تُنتخب فعليا، وتُبث الصور والفيديوهات كإعلانات تجارية في المواقع الإخبارية احتفالا بولادة الحزب أو منجزاته العظيمة. ثم تلي هذا العرس الوهمي مرحلة الفراغ والتثاؤب والسبات الطويل، ثم مضغ الكلام الفارغ والثرثرة تحت تسميات المكتب السياسي واللجان والهيئات القيادية العليا! تلك المفرغة من معناها الحزبي الحقيقي والتي تشهد صراعا محموما على رئاستها وعضويتها، وكأنها عضوية دائمة في مجلس الأمن مع امتياز حق النقض (الفيتو).

تمر الأيام، ولا يقدّم الحزب شيئا يُذكر في الواقع السياسي؛ لا اشتباك حقيقي، ولا تشبيك مع مؤسسات المجتمع المدني، ولا أثر ملموس في الشارع. حتى إن اسم الحزب لا يكاد يُحفظه دون خطأ المؤجِّر الذي يقيم الحزب في ملكه.

ولنكن أكثر صراحة. ثمة إشكالية ميوعة في الهوية الحزبية تتمثل في غياب اللون السياسي، تعاني منها الأحزاب المحسوبة على تيار وسط اليسار. ويعود ذلك إلى خشيتها من المواجهة السياسية والمجتمعية، وضعف قدرتها على المناظرة والتنظير لمرجعيتها الفكرية، فضلا عن الخوف من استقالات جماعية في حال الكشف عن اللون السياسي الحقيقي الذي يجهله كثير من أعضائها.

وأمام هذا التغييب المتعمّد للون السياسي، تجد الأحزاب ذات الهوى اليساري الوسطي نفسها مثقلة بحمولات زائدة تُقعدها عن الحركة، نتيجة انعدام التجانس الفكري واختلاف النهج السياسي بين أعضائها أنفسهم؛ ولو أُجري لهم استطلاع احترافي، لخرجت نتائجه مؤكدة أنهم موزعون بين توجهات محافظة، ووسطية، وبعثية، وإسلامية، بل أبعد من إسلامية على سلّم الاعتدال والتشدد.

أزمة الأحزاب الأردنية ليست في القوانين، ولا في جدية الدولة تجاه مشروع جلالة الملك، ولا هي أزمة في وعي الأردنيين، بل في انعدام التأثير وغياب الوضوح والشجاعة السياسية؛ فالحزب الذي لا يعترف بلونه السياسي، ولا يجرؤ على إعلان مرجعيته، ولا يسمح بتداول حقيقي للقيادة، سيبقى مجرد لافتة بلا مضمون. وما لم تُحسم الهوية، ويُكسر نموذج "الوليّ الفقيه" الحزبي، فإن مشروع التحديث السياسي سيظل يدور في حلقة مفرغة، تُنتج أحزابًا شكلية تمارس الثرثرة السياسية وتعيش عالة على العمل العام بدل أن تكون في قلبه.

مدار الساعة ـ