من واقع خبرتي في الإدارة الاستراتيجية، أرى أن التحدي الحقيقي في القطاع الحكومي لا يتمثل في إدارة الوظائف اليومية، بل في الإجابة عن سؤال مصيري غالبًا ما يتم تجاهله: هل الفريق الموجود اليوم في الصف الثاني مؤهل لأن يتحول في المستقبل إلى مسؤولين وصنّاع قرار ووزراء على مستوى الدولة؟ أم أننا نكتفي بإدارة الوقت حتى يحين التغيير دون إعداد حقيقي للقيادة؟
الصف الثاني ليس طبقة إدارية عابرة، بل هو الخزان الاستراتيجي الذي يُفترض أن تُستمد منه القيادات العليا للدولة. غير أن الممارسة الحالية في كثير من المؤسسات الحكومية تُظهر أن هذا الصف يُدار بمنطق تشغيلي بحت، يُطلب منه التنفيذ دون تفكير، والالتزام دون مشاركة، والعمل ضمن هامش ضيق لا يسمح ببناء عقل قيادي قادر على اتخاذ القرار في القضايا الكبرى.من وجهة نظري، فإن الإشكالية لا تتعلق بالكفاءة الفردية بقدر ما تتعلق بالمنظومة. فالمنظومة الإدارية لا تختبر الصف الثاني في مواقف استراتيجية، ولا تضعه تحت ضغط القرار، ولا تمنحه مساحة كافية لفهم تعقيدات السياسات العامة وإدارة الملفات الوطنية. وبهذا الأسلوب، لا يمكن أن نتوقع أن يتحول مدير قسم أو دائرة إلى وزير أو مسؤول وطني قادر على قيادة مؤسسة سيادية أو ملف استراتيجي.إن استمرار هذا الواقع يخلق فجوة خطيرة بين متطلبات القيادة العليا للدولة ومستوى الإعداد الفعلي للقيادات الوسيطة. فالدولة التي لا تُعدّ قادتها مسبقًا تجد نفسها أمام خيارات محدودة عند تشكيل الحكومات أو شغل المواقع العليا، وغالبًا ما تلجأ إلى الأسماء ذاتها أو إلى حلول مؤقتة لا تقوم على بناء طويل المدى.ومن منظور الإدارة الاستراتيجية، فإن إعداد الصف الثاني ليكون مؤهلًا لتولي مسؤوليات وطنية عليا يتطلب تغييرًا جذريًا في طريقة التفكير، يبدأ باعتبار هذا الصف مشروع قيادة دولة لا مجرد مورد بشري. وهذا يستدعي إشراكه في صياغة السياسات، وتعريضه لتجارب حقيقية في اتخاذ القرار، وربط تطوره المهني بقدرته على الفهم الشامل للاقتصاد، والإدارة العامة، والحكم الرشيد، لا فقط بإتقانه للإجراءات.وفي المحصلة، فإن السؤال ليس من سيقود المؤسسة غدًا، بل من سيقود الدولة بعد سنوات. وإذا لم يُصمَّم الصف الثاني اليوم ليكون على مستوى هذه المسؤولية، فإن أي حديث عن إصلاح إداري أو تحديث للقطاع العام سيبقى محدود الأثر، لأن الدول لا تُدار بالصدفة، بل تُبنى بقيادات أُعدّت بعناية، واختُبرت بوعي، ومُنحت الفرصة قبل أن تصل إلى القمة.وهل الوزارة قامت بوضع برنامج لبناء قادة استراتيجيين قادرين على عبور المستقبل بكل ما يتطلبه الواجب الوطني في المرحلة القادمة .يبقى السؤال مفتوحا امام وزيرة تطوير القطاع العام وتبقى مشاريع الوزارة قيد القراءة الاستراتيجية الناقدةسيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخا بقيادته وشعبهحمى الله الاردن وقيادته الهاشميةالنسور يكتب: وزارة تطوير القطاع العام .. وبناء القادة على المستوى الاستراتيجي
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي
النسور يكتب: وزارة تطوير القطاع العام .. وبناء القادة على المستوى الاستراتيجي
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي
مدار الساعة ـ