أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

قرقودة تكتب: لم أنجُ لأبقى.. بل لأفهم


تغريد جميل قرقودة

قرقودة تكتب: لم أنجُ لأبقى.. بل لأفهم

مدار الساعة ـ

لَمْ أَصِلْ إِلى حَافَةِ الوَفَاةِ كَمَا تَصِلُ الحِكَايَاتُ إِلَى ذُروَتِهَا، بَلْ وَصَلتُ إِلَيْهَا بِهُدُوءٍ مُخِيفٍ؛ كَأَنَّ الحَيَاةَ سَحَبَتنِي خُطْوَةً إِلى الخَلفِ دُونَ أَن تَسْتَأْذِنَ.

لَمْ يَكُن هُنَاكَ صُرَاخٌ وَلَا ضَجِيجٌ، فَقَط إِحْسَاسٌ ثَقِيلٌ بِأَنَّ كُلَّ مَا كُنتُ أَظُنُّهُ ثَابِتًا بَدَأَ يَتَلَاشَى دَفْعَةً وَاحِدَةً.

الوَقْتُ تَمَدَّدَ، وَالوُجُوهُ بَهَتَت.

وَصَوْتِي الدَّاخِلِيُّ… صَمَتَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.

هُنَاكَ، فِي تِلكَ المَسَافَةِ الرَّقِيقَةِ بَيْنَ البَقَاءِ وَالغِيَابِ، لَمْ أَرَ المَوْتَ عَدُوًّا، بَلْ مِرآةً.

فِي تِلكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ تَمُرَّ حَيَاتِي أَمَامِي، بَلِ انكَشَفَت عَنِّي. سَقَطَتِ التَّفَاصِيلُ الصَّغِيرَةُ الَّتي كُنتُ أَتَشَبَّثُ بِهَا، وَسَقَطَتِ الأَعْذَارُ، وَسَقَطَ وَهْمُ السَّيطَرَةِ. لَمْ يَبقَ إِلَّا سُؤَالٌ وَاحِدٌ يَضغَطُ عَلَى صَدْرِي:

لِمَاذَا نَعِيشُ وَكَأَنَّنَا نَمْلِكُ وَقْتًا لَا يَنفَدُ، بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الحَقِيقَةِ نُسْتَعَارُ مِنَ الحَيَاةِ اسْتِعَارَةً مُؤَقَّتَةً؟

ثُمَّ حَدَثَ مَا لَا يُفَسَّرُ، وَلَا يُسْتَدْعَى، وَلَا يُرَتَّبُ لَهُ.

كَأَنَّ السَّمَاءَ، فِي لَحْظَةِ رَحْمَةٍ خَالِصَةٍ، فَتَحَت بَابَهَا لَا لِتَأْخُذَنِي، بَلْ لِتُعِيدَنِي. لَمْ يَكُن ذَلِكَ المَشْهَدُ بَصَرِيًّا، بَلْ شُعُورِيًّا، إِحْسَاسٌ دَافِئٌ بِأَنَّ هُنَاكَ قَرَارًا آخَرَ كُتِبَ لِي، وَأَنَّ الرَّحِيلَ تَأَجَّلَ.

عُدْتُ إِلَى جَسَدِي، لَكِنَّنِي لَمْ أَعُدِ المَرأَةَ الَّتِي دَخَلَت تِلكَ اللَّحْظَةَ.

شَيْءٌ مَا انكَسَرَ فِي دَاخِلِي، وَشَيْءٌ أَعْمَقُ وُلِدَ مَكَانَهُ.

حِينَ فَتَحْتُ عَينَيَّ مِن جَدِيدٍ، أَدرَكْتُ أَنَّ النَّجَاةَ لَيسَت عَوْدَةً إِلَى مَا كُنتُ عَلَيهِ، بَلْ خُرُوجٌ مِن نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مِنِّي. أَصبَحْتُ أَنظُرُ إِلَى الحَيَاةِ بِعَيْنٍ أَقَلَّ اسْتِعْجَالًا وَأَكْثَرَ وَعْيًا. صَارَتِ التَّفَاصِيلُ الصَّغِيرَةُ عَظِيمَةً: النَّفَسُ، وَالضَّوْءُ، وَالصَّمْتُ، وَحَتَّى التَّعَبُ. لَمْ تَعُدِ الأَيَّامُ مُتَشَابِهَةً، وَلَمْ يَعُدِ النَّاسُ مُجَرَّدَ عَابِرِينَ فِي المَشْهَدِ.

بَعْضُ الأَبوَابِ حِينَ تُفْتَحُ، لَا تُدْخِلُنَا إِلَى مَكَانٍ…

بَلْ تُخْرِجُنَا مِن أَنفُسِنَا القَدِيمَةِ.

فَهِمْتُ أَنَّ الحَيَاةَ لَا تُقَاسُ بِعَدَدِ السِّنِينَ، بَلْ بِكَمِّ الوَعْيِ الَّذِي نَعِيشُهُ فِيهَا. وَأَنَّ أَقْسَى أَشْكَالِ المَوْتِ هُوَ أَن نَعِيشَ دُونَ أَن نَشْعُرَ، وَأَن نُؤَجِّلَ ذَوَاتِنَا الحَقِيقِيَّةَ إِلَى إِشْعَارٍ لَا يَصِلُ.

وَأَدرَكْتُ أَنَّ الأَلَمَ لَيسَ لَعْنَةً، بَلْ رِسَالَةٌ قَاسِيَةُ النَّبرَةِ، عَمِيقَةُ المَعْنَى.

وَأَنَّ النَّجَاةَ لَيسَتِ امْتِيَازًا، بَلْ تَكْلِيفٌ: أَن أَعِيشَ بِصِدْقٍ، وَأَن أَقُولَ مَا يَجِبُ قَوْلُهُ، وَأَن أَكُونَ أَكْثَرَ رَحْمَةً… مَعَ نَفْسِي أَوَّلًا.

بَعْدَ تِلكَ التَّجْرِبَةِ، لَمْ أَعُدْ أَخَافُ النِّهَايَةَ كَمَا كُنتُ، بَلْ صِرتُ أَخَافُ الغَفْلَةَ. أَخَافُ أَن أَعُودَ إِلَى الرَّكْضِ الأَعْمَى، وَإِلَى تَأْجِيلِ الفَهْمِ، وَإِلَى حَيَاةٍ تُعَاشُ بِالعَادَةِ لَا بِالوَعْيِ. عَرَفْتُ أَنَّ كُلَّ صَبَاحٍ هُوَ فُرصَةٌ جَدِيدَةٌ لِلفَهْمِ، وَأَنَّ السَّمَاءَ حِينَ تَفْتَحُ بَابَهَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ دَائِمًا لِتَأْخُذَنَا، بَلْ أَحْيَانًا… لِتُوقِظَنَا.

هَكَذَا عُدْتُ مِن حَافَةِ الرَّحِيلِ امْرَأَةً أُخْرَى، أَكْثَرَ هُدُوءًا، أَقَلَّ ادِّعَاءً، وَأَكْثَرَ إِنصَاتًا لِلحَيَاةِ. وَكَأَنَّ نَجَاتِي لَمْ تَكُن لِي وَحْدِي، بَلْ رِسَالَةً صَامِتَةً لِكُلِّ مَن يَقْرَأُ:

اِنتَبِهْ…

فَالحَيَاةُ لَا تُنقِذُنَا مَرَّتَينِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا،

وَلَا تُوقِظُنَا مَرَّتَينِ بِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا.

مدار الساعة ـ