كثرت الأقاويل وتداولت الأخبار خلال الأسبوع المنصرم، حتى غدت أحد “الترندات” المتداولة في الفضاء العام الأردني، ولا سيما على المنصات الإلكترونية، حول وجود نية مزعومة لحل مجلس النواب العشرين. وقد اتسع نطاق الحديث، وتباينت التحليلات، واختلط الرأي القانوني بالتكهن السياسي، بما أوجد حالة من الجدل غير المستند في كثير من جوانبه إلى أسس دستورية وقانونية واضحة.
وليس المقام هنا للخوض في صحة هذه الأخبار من عدمها، ولا لمناقشة فكرة حل المجلس سياسياً، خاصة وأن مجلس النواب العشرين ييعد من مخرجات مشروع تحديث المنظومة السياسية، والقوانين الناظمة للحياة السياسية العامة والمشاركة في صنع القرار، والذي أريد له أن يكون رافعة لتعزيز التجربة الحزبية وتكريس العمل البرامجي داخل البرلمان. غير أن التوقف عند هذه المسألة من زاوية دستورية وقانونية بحتة يصبح أمرًا لازماً، لبيان مدى اتساق الطرح المتداول مع أحكام الدستور الأردني، بعيداً عن الانطباعات أو التقديرات السياسية.إن حل مجلس النواب في النظام الدستوري الأردني ليس إجراءً إدارياً بسيطاً، بل هو عمل دستوري مركب تحكمه نصوص صريحة وتترتب عليه آثار قانونية مباشرة تمس العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وقد نظم الدستور الأردني هذه المسألة على نحو دقيق، سواء بالمادة (3/34) والتي تنص “ للملك أن يحل مجلس النواب ،ولا سيما في المادة (74) منه، التي تشكل الإطار الناظم لآثار حل مجلس النواب.وتنص المادة (74/2) من الدستور صراحة على أن:“الحكومة التي يحل مجلس النواب في عهدها قبل الأشهر الأربعة الأخيرة التي تسبق انتهاء مدة المجلس تستقيل خلال أسبوع من تاريخ الحل، ولا يجوز تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التي تليها.”ويفهم من هذا النص بوضوح أن حل مجلس النواب لا ينظر إليه بمعزل عن وضع الحكومة القائمة، بل يرتب بالضرورة استقالة الحكومة خلال مدة زمنية محددة، ويقيد سلطة إعادة تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التالية. وهذا القيد الدستوري لم يأتِ عبثًا، وإنما قصد به المشرع الدستوري تحقيق توازن دقيق بين السلطات، ومنع توظيف حل البرلمان كأداة سياسية دون كلفة دستورية.وعليه، فإن أي حديث عن حل مجلس النواب يجب أن يقاس أولًا بمدى انسجامه مع هذه القواعد، لا سيما وأن مجلس النواب العشرين ما يزال في بدايات عمره الدستوري، وهو منعقد حالياً في دورته العادية الثانية، ولم يمض على انتخابه سوى عام ونيف. وهذا الواقع الزمني والدستوري يثير تساؤلات مشروعة حول منطقية السيناريوهات المتداولة، خاصة إذا ما أخذت بعين الاعتبار الآثار الدستورية المترتبة على الحل، وفي مقدمتها استقالة الحكومة وعدم إعادة تكليف رئيسها .إن الخلاصة التي يفرضها التحليل الدستوري الموضوعي هي أن حل مجلس النواب في الأردن ليس مجرد احتمال يطرح في التداول الإعلامي، بل هو إجراء محكوم بقيود دستورية صارمة، لا يجوز القفز عنها أو تجاهلها. ومن هنا، فإن التعاطي مع مثل هذه القضايا يفترض قدراً أعلى من الدقة القانونية، واحترام النصوص الدستورية، وعدم الانجرار وراء روايات لا تستند إلى أساس دستوري واضح.ويبقى الدستور، في نهاية المطاف، هو المرجعية العليا والحكم الفاصل في تنظيم العلاقة بين السلطات، وضمان استقرار الحياة الدستورية والنظام السياسي، بعيداً عن منطق الإشاعة أو الاستسهال السياسي.أبو دلو يكتب: دستورية حل مجلس النواب
مدار الساعة ـ