أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بعد استحواذ 'نتفليكس' على 'وارنر'.. ما هو مستقبل السينما؟

مدار الساعة,أخبار خفيفة ومنوعة,أخبار التكنولوجيا، التقنيات,مواقع التواصل الاجتماعي
مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - أسامة صفار (الجزيرة نت) -

عادت صفقة استحواذ نتفليكس على وارنر برذرز ديسكفري إلى صدارة التغطية الإعلامية العالمية خلال الأسبوع الماضي، وذلك بعد سلسلة تطورات سياسية ومالية أعادت إشعال الجدل حول واحدة من أضخم الصفقات في تاريخ صناعة الترفيه.

وربطت تقارير صحفية أميركية وأوروبية الصفقة بتحركات استثمارية مثيرة للانتباه في سوق السندات، فيما تزامن ذلك مع تصاعد النقاش حول مستقبل السينما التقليدية ودور قاعات العرض في ظل تمدد المنصات الرقمية.

سعت نتفليكس إلى احتواء المخاوف داخل الصناعة، عبر تصريحات رسمية أكدت فيها التزامها بنموذج العرض السينمائي وعدم نيتها تقويض النوافذ التقليدية لإطلاق الأفلام.

هذه التطورات وضعت الصفقة مجدداً تحت مجهر الرأي العام، كونها نقطة تحوّل في علاقة الإنتاج السينمائي بالمنصات، وحدود النفوذ بين "هوليوود الكلاسيكية" وعمالقة البث الرقمي، في لحظة تشهد فيها الصناعة إعادة رسم لقواعدها.

وكانت الصفقة قد شملت اتفاقية للاستحواذ على أصول رئيسية من وارنر برذرز ديسكفري، بما في ذلك استوديوهات وارنر للأفلام والتلفزيون، وشبكة إتش بي أو (HBO)، ومنصة البث المباشر ماكس (Max). وتمت الصفقة بقيمة نقدية وأسهم تصل إلى 72 مليار دولاراً أميركياً تقريباً من حقوق الملكية و82.7 مليار دولاراً أميركياً من قيمة المؤسسة، وتجمع أكبر خدمة بث في العالم مع واحد من أقوى استوديوهات هوليود وعلاماتها التجارية.

ولكن، ماذا يعني أن يصبح أكبر موزع للترفيه المرئي أحد أكبر مالكيه ومنتجيه؟ وما الذي تشتريه نتفليكس تحديداً؟ ولماذا انتاب القلق جميع العاملين في صناعة الترفيه والسينما بشكل خاص من رؤساء مجالس إدارات الشركات إلى العمال؟

الاستحواذ على القاطرة

لن تستحوذ نتفليكس على كامل أسهم وارنر برذرز ديسكفري بشكلها الحالي. بحسب هيكل الصفقة، ستفصل شركة وارنر أعمالها، منشئةً ما تسميه قطاع "ديسكفري غلوبال". ويركز استحواذ نتفليكس على جوهر الاستوديوهات والترفيه المتميز، المتمثل في "وارنر برذرز بيكتشرز"، و"وارنر برذرز تلفزيون"، و"إتش بي أو" (HBO)، و"إتش بي أو ماكس" التي تُعرف حالياً باسم "ماكس".

وبالتالي، فإن نتفليكس لا تشتري قنوات الكابل أو أصول البث التلفزيوني التقليدي، بل تشتري قوة المحتوى من سلاسل الأفلام، واستوديوهات التلفزيون، ومكتبة عريقة عمرها قرن كامل، وعلامة "إتش بي أو" التجارية، التي تتمتع بمكانة عالمية مرموقة ومصداقية في مجال الجوائز.

طبقاً لهذه القائمة، فإن نتفليكس تشتري "القاطرة" دون "القطار"، فتترك عبء الجسد التقليدي لمنظومة البث التقليدية القديمة، وتكتفي بالمحرك الذي ينتج الأفلام والمسلسلات المتميزة.

نتفليكس

صور لشاشة عليها شعار نتفليكس (مواقع التواصل الاجتماعي)

ورغم أن نتفليكس سيطرت، خلال السنوات الماضية، على توزيع المحتوى عبر الإنترنت، فإنها ظلت ضعيفة في مساحة ملكية المحتوى على نطاق واسع.

ورغم إنتاجها للأعمال الأصلية، فإنها لا تزال تشتري حقوق نسبة كبيرة من الأعمال التي تُعرض على شاشاتها دون أن تمتلكها.

وتضيف نتفليكس إلى ممتلكاتها بهذه الصفقة شركة "وارنر" التي تملك مجموعة من أهم الأصول الترفيهية في العالم، تتمثل في سلاسل أفلام ضخمة، ومكتبة تلفزيونية غنية، وأحد أكثر أنظمة الإنتاج خبرةً في هوليوود.

وتضيف، أيضاً، منصة "إتش بي أو" ذات الاسم المميز في سرد القصص، وتشكل الشركتان معاً هيكلاً متكاملاً، يشمل استوديو ومكتبة ومنصة عالمية.

بهذه الصورة، تتحول نتفليكس إلى نظام استوديوهات حديث، ينتج بشكل أساسي لمرحلة بكاملها تقوم على البث الرقمي بشكل أساسي. وتنهي صفقة استحواذ نتفليكس على وارنر مرحلة امتدت لما يزيد على 10 سنوات وتميزت بالمنافسة الشديدة مع منصات أخرى، لتبدأ مرحلة أخرى تتميز بصفقات الاندماج ومحاولات البقاء.

كانت المنافسة ترفع تكلفة الإنتاج وتبطئ نمو المشتركين، وقد تأسست وارنر برذرز ديسكفري نفسها خلال عملية اندماج. وعلى العكس، لا تزال نتفليكس شركة رابحة، وسوف تصبح أقوى بالصفقة الجديدة، وتفرض على منافسيها ضغوطاً أشد.

ولكن ما المصير الذي ينتظر منصتي البث "إتش بي أو" و"ماكس" بعد شراء المنافس لهما؟ أعلنت نتفليكس أنها تعتزم الحفاظ على عمليات وارنر الحالية خلال المرحلة الانتقالية، ولكن مع مرور الوقت، يصبح الاندماج أمراً لا مفر منه.

ويُناقش حالياً عدة خيارات، منها أن يصبح محتوى "إتش بي أو" ضمن نتفليكس نفسها، مما يحافظ على هوية علامته التجارية مع الاستفادة من الانتشار العالمي لنتفليكس، أو يتم دمج "ماكس" تدريجياً في باقات اشتراك نتفليكس. ومهما كانت البنية النهائية، فمن المرجح أن تكون النتيجة عدداً أقل من التطبيقات المستقلة ودفعاً أقوى نحو اعتبار نتفليكس وجهة عالمية شبه وحيدة للترفيه المتميز.

بعد إتمام الصفقة، يزيد نفوذ نتفليكس في قطاع الإنتاج والتوزيع، ويزداد الضغط على منافسيها. أما بالنسبة للاستوديوهات التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على تأجير عرض المحتوى، فإن قاعدة المشترين المحتملين تتقلص، ولعله السبب المباشر لنقاش عام مفتوح حول الصفقة، وما إذا كانت تجارية فقط، أم قضية تتعلق بالمنافسة والسياسة العامة.

العمال والمبدعون في مرمى الخطر

تعد عمليات الاندماج الكبيرة فرصة للكفاءات المتميزة والقيادات، لكنها تثير مخاوف من فقدان الوظائف العادية. وتشعر النقابات العمالية والعاملون في المجال الإبداعي بالقلق من أن يؤدي الدمج إلى تقليل عدد منافذ الإنتاج، وتقليص الميزانيات، وضعف القدرة التفاوضية لهم.

ومن المرجح أن تكون الإدارات المتداخلة، لا سيما في عمليات البث المباشر والوظائف الإدارية، هدفًا لخفض التكاليف.

وينتاب القلق أيضًا المبدعين الذين تمنحهم إتش بي أو (HBO) الوقت والمساحة والاستقلالية، بعكس نموذج نتفليكس (Netflix) الذي يعتمد على البيانات، ويركز على الكم، ولن يحسم هذا التداخل بين ثقافتين متناقضتين في العمل سوى التجربة على الأرض وفي الأثير.

لكن التناقض الذي يثير قلق الجميع، هو "دور العرض" التي لا تعد أماكن لعرض الأفلام فقط، ولكنها تمثل طقسًا في حياة مرتاديها من الأسر والأفراد وجزءًا من أسلوب حياتهم.
وبينما تعد شركة وارنر لاعبة رئيسية في سوق السينما، تفضل نتفليكس عرض أفلامها عبر منصات البث أولًا، مع عرض محدود في دور السينما.

وقد أشارت نتفليكس مؤخرًا – تحت ضغط متزايد من قطاع السينما – إلى انفتاح أكبر على العرض السينمائي لبعض الأفلام، مؤكدة أنها لا تنوي التخلي عن دور السينما، لكن الشكوك لا تزال قائمة.

وسوف تكون النتيجة المرجحة هي استراتيجية عرض سينمائي أكثر انتقائية، وعدد أقل من الأفلام متوسطة الميزانية في دور العرض، وتركيز أكبر على إصدارات "الأحداث" الضخمة، واستخدام متزايد للعروض السينمائية كأداة للترويج والتسويق لدعم أداء منصات البث.

بالنسبة للمشاهدين، قد لا يكون التأثير الفوري كبيرًا، قد لا تتغير الأسعار فورًا، لكن مع مرور الوقت، تشير هذه الصفقة إلى مستقبل بمنصات أقل ومراكز محتوى أكبر، ومنافسة أقل وبالتالي حرية في رفع الأسعار مع اختيارات محدودة للجمهور.

يصعب النظر إلى خطوة نتفليكس للاستحواذ على جوهر شركة وارنر على أنها مجرد صفقة تجارية، فهي نقطة تحول في كيفية إنتاج المحتوى الترفيهي وامتلاكه وتوزيعه، وإذا تكللت بالنجاح، فقد تعيد بناء نظام استوديوهات حديث يتمحور حول البث العالمي.

أما إذا فشلت – تحت ضغط تنظيمي أو ردود فعل عمالية أو اختلاف في الرؤية الإبداعية – فقد تصبح بمثابة تحذير بشأن حدود الاندماج في صناعة مبنية على الثقة والموهبة والتنوع الثقافي.

وفي الحالتين، تؤكد الصفقة أننا في نهاية مرحلة من عصر البث المباشر وبداية مرحلة أخرى.


مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ