سبقت الإشارة في المقال الأول من هذه السلسلة إلى الصورة الذهنية عن مجلس الأعيان فيما يتعلق بمرحلة إقرار مشروع قانون الموازنة العامة والمناقشات المتعلقة بها.
كما أن الصورة الذهنية عن مجلس الأعيان تبرز في مجال تقرير ديوان المحاسبة، فالتقرير وإن كان أداة فاعلة للدور الرقابي لمجلسي الأعيان والنواب إلا أن المناقشات التي يجريها مجلس النواب ولجانه حول التقرير عادة ما يتم تغطيتها إعلاميًا بشكل أكبر من المناقشات التي يجريها مجلس الأعيان ولجانه حول التقرير.من جانب آخر فقد أسهم المشرع في ترسيخ تلك الصورة الذهنية؛ فالتنظيم التشريعي لديوان المحاسبة يجعل الديوان مرتبطًا بمجلس النواب دون مجلس الأعيان.فعلى الرغم أن المشرع ألزم رئيس ديوان المحاسبة تقديم "تقرير سنوي عن كل سنة مالية" إلى مجلسي الأعيان والنواب، إلا أنه سمح بتقديم تقارير خاصة إلى مجلس النواب دون مجلس الأعيان، وهي تقارير تقدم في أي وقت من السنة تهدف لفت نظر مجلس النواب إلى أمور ذات خطورة أو أهمية تستوجب تعجيل النظر فيها (المادة 22 من قانون ديوان المحاسبة).أضف إلى ذلك فإن تعيين رئيس الديوان يتم بإرادة ملكية، وقد أوجب المشرع تبليغ هذا التعيين إلى مجلس النواب، كما أن المشرع أوجب الحصول على موافقة مجلس النواب فيما يتعلق بقرار عزل رئيس الديوان أو نقله أو إحالته على التقاعد أو فرض عقوبات مسلكية عليه، فإذا كان المجلس "غير مجتمع" فتصدر تلك القرارات بموافقة جلالة الملك، ويتم تبيلغها إلى مجلس النواب "عند اجتماعه" (المادة 5/أ من قانون ديوان المحاسبة).وفيما يتعلق برفع الحصانة عن رئيس الديوان، فقد أوجب المشرع صدور قرار من مجلس النواب بذلك (المادة 5/د من قانون ديوان المحاسبة).يتضح مما سبق أن المشرع أسهم في ترسيخ الصورة الذهنية عن مجلس الأعيان وجعل دوره ثانويًا فيما يتعلق بعمل ديوان المحاسبة، وذلك عن طريق التنظيم التشريعي لديوان المحاسبة وكيفية عمله، الأمر الذي قد يستوجب إعادة النظر في ذلك التنظيم على نحو يعزز فاعلية المجلس ودوره الرقابي، فالمشرع وإن جعل طرح الثقة يتم أمام مجلس النواب، إلا أنه جعل لمجلس الأعيان الحق في ممارسة أدوات رقابية أخرى مثل السؤال والاستجواب (المادة 96 من الدستور).رحامنة يكتب: نحو تغيير الصورة الذهنية عن مجلس الأعيان (2)
د. محمد رحامنة
الجامعة الأردنية
الجامعة الأردنية
مدار الساعة ـ