يأتي الحديث عن الدعوة التي وجّهها الرئيس الأميركي Donald Trump إلى الملك عبد الله الثاني بن الحسين للانضمام إلى ما سُمّي «مجلس السلام في غزة» في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع ضرورات وقف النزاع مع محاولات إعادة ترتيب المشهد السياسي لما بعد الحرب، وهي دعوة لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً شكليًا أو مجاملة دبلوماسية، بل باعتبارها محاولة أميركية لبلورة إطار سياسي جديد خارج الأطر الأممية التقليدية، يستند إلى جمع دول ذات ثقل سياسي وأخلاقي للمساهمة في إدارة مرحلة انتقالية غامضة المعالم في قطاع غزة.
من الناحية القانونية البحتة، لا ينهض هذا «المجلس» إلى مرتبة منظمة دولية، ولا يستند إلى معاهدة دولية نافذة، ولا يقوم على قرار صادر عن مجلس الأمن، ولا يُنشئ التزامات دولية بالمعنى الدستوري أو القانوني، الأمر الذي يجعل الدعوة في جوهرها مبادرة سياسية تشاورية لا ترقى إلى مستوى العضوية القانونية الملزمة، وهو تمييز جوهري لا بد من تثبيته في أي قراءة رصينة للموقف الأردني. غير أن الحساسية الحقيقية لا تكمن في الشكل القانوني للمبادرة، بل في الأثر السياسي المترتب على القبول أو المشاركة، إذ إن انخراط الدول في أطر انتقالية مؤقتة غالبًا ما يُستثمر لاحقًا لإضفاء شرعية سياسية على مسارات لم تُحسم قواعدها بعد، أو لتكريس وقائع جديدة تحت عنوان الاستقرار وإدارة المرحلة، بما قد يفضي عمليًا إلى تجاوز المرجعيات الدولية المستقرة للقضية الفلسطينية. ومن زاوية الرأي القانوني للدولة الأردنية، فإن أي مشاركة محتملة لا يمكن أن تُفهم إلا بوصفها مشاركة مشروطة ومقيّدة، تستند إلى ثوابت السياسة الخارجية الأردنية القائمة على احترام الشرعية الدولية، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والتمسك بحل الدولتين، ورفض أي صيغة تُنتقص فيها الحقوق الفلسطينية أو يُلتف فيها على التمثيل الفلسطيني الشرعي. فالأردن، قانونيًا وسياسيًا، غير معني بإدارة قطاع غزة، ولا بتحمّل أعباء أمنية أو إدارية أو مالية، ولا بالحلول محل أي طرف فلسطيني، وأي دور قد يُنسب إليه لا يخرج، إن قُبل أصلًا، عن كونه دورًا داعمًا أو ضامنًا أو ميسّرًا ضمن حدود واضحة لا لبس فيها، وبما لا يمس المصالح الوطنية الأردنية ولا يخل بالتوازنات الدقيقة التي تحكم موقع المملكة في الإقليم. كما أن المشاركة في النقاشات أو الأطر التشاورية، وفقًا لقواعد القانون الدولي المستقرة، لا تعني القبول المسبق بمخرجاتها، ولا تُقيّد الدولة بمواقف مستقبلية قد تتعارض مع سيادتها أو مع التزاماتها الدستورية أو مع ثوابتها السياسية، وهو مبدأ معروف في فقه العلاقات الدولية وممارسات الدول. ومع ذلك، فإن الحذر السياسي يظل واجبًا، لأن التجارب المقارنة أثبتت أن المبادرات المؤقتة قد تتحول تدريجيًا إلى أطر أمر واقع إذا لم تُضبط منذ البداية بشروط واضحة وتحفّظات مكتوبة وخطاب سياسي صريح يحدّد بدقة طبيعة المشاركة وحدودها وأهدافها. وعليه، فإن المقاربة الأردنية المتزنة تقتضي عدم الانجرار إلى الرفض الانفعالي الذي قد يفضي إلى تهميش الدور الأردني، كما تقتضي في الوقت ذاته عدم القبول المفتوح الذي قد يُساء تفسيره أو توظيفه لاحقًا في اتجاهات لا تخدم القضية الفلسطينية ولا الأمن الوطني الأردني، فالأردن تاريخيًا لم يكن يومًا خارج معادلة السلام، لكنه في المقابل لم يكن دولة تقبل أدوارًا رمادية أو وظائف بديلة تمس جوهر القضية الفلسطينية أو تُحمّله أعباءً لا تتفق مع موقعه ودوره وإمكاناته. وفي هذا التوازن الدقيق، يتجسد الموقف القانوني والسياسي الأردني القائم على قاعدة واحدة ثابتة مفادها أن المشاركة لا تكون إلا بوضوح، والدور لا يُمارس إلا ضمن الشرعية الدولية، وأي سلام لا يستند إلى القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة سيبقى سلامًا هشًا، مهما تغيّرت تسمياته أو تعددت مجالسه.النعيمات يكتب: الأردن ودعوة 'مجلس السلام في غزة'.. بين مقتضيات السياسة وحدود الالتزام القانوني
أ.د.أسامة أحمد النعيمات
جامعة فيلادلفيا
النعيمات يكتب: الأردن ودعوة 'مجلس السلام في غزة'.. بين مقتضيات السياسة وحدود الالتزام القانوني
أ.د.أسامة أحمد النعيمات
جامعة فيلادلفيا
جامعة فيلادلفيا
مدار الساعة ـ