أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ماذا يريد الملك من الأحزاب؟


جمال القيسي

ماذا يريد الملك من الأحزاب؟

مدار الساعة ـ

منذ أطلق جلالة الملك مشروع التحديث السياسي، كانت الرسالة منه واضحة وصريحة: أحزاب وطنية حقيقية، وبرامجية، وديمقراطية في بنيتها، وقادرة على تمثيل الشارع الأردني، وصولا إلى تشكيل حكومات برلمانية حزبية تنبثق من الإرادة الشعبية لا من التعيين.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا ما تزال المسافة واسعة بين ما يريده الملك، وما يجري داخل الأحزاب؟

نظريا، يشكّل قانون الأحزاب الإطار الناظم لعمل الحياة الحزبية في الأردن، وهو القانون الذي يحدّد الهياكل التنظيمية والقيادية في الأحزاب؛ من العضو العامل في الهيئة العامة، مرورًا بالمجلس العام والمكتب السياسي، وصولًا إلى موقع الأمين العام، وهو موقع حزبي يتولاه الأجدر به بالانتخاب الديمقراطي الحر؛ فالأمين العام واجهة سياسية، وليس وجاهة اجتماعية.

لكن واقع الأحزاب الأردنية يكشف عن موقع غير مسمّى داخل هذه الهياكل؛ موقع فعلي لا نصّ له في القوانين ولا يظهر في النظام الأساسي للحزب، لكنه الأكثر نفوذا وتأثيرا من موقع الأمين العام نفسه؛ وهو موقع يمكن تسميته بـ "المرشد الأعلى للحزب".

هذا الموقع للمرشد الأعلى، من حيث الوظيفة لا العقيدة، مقام "الولي الفقيه" في الجمهورية الإيرانية؛ حيث يهيمن شاغله على مفاصل القيادة كافة، ويتجاوز الأطر المؤسسية للحزب، مستندًا إلى نفوذ شخصي وعلاقات قوية في "مطبخ القرار السياسي" ما يجعله - في نظر بعض دوائر الدولة – الضامن لحسن سيرة وسلوك الحزب وضبط إيقاعه ضمن توجهات الرأي الرسمي.

إن موقع الولي الفقيه في الأحزاب الأردنية، يعيد للذاكرة تاريخ التجارب المريرة في الأحزاب الحديدية الشمولية، ولكن بمسميات ديمقراطية حديثة؛ فهي في جوهرها حزب الرجل الواحد؛ حيث تُختزل المؤسسة بشخص، وتُختصر اللوائح بمزاجه، وتُدار الحياة الحزبية الداخلية وفق منطق الولاء لا الكفاءة، والطاعة لا الاختلاف. لا أحد ينسى أن النقاش الحزبي في الأحزاب الحديدية كان ينتهي بالتصفية الجسدية!

في هذا النموذج، تتحكم مزاجية الولي الفقيه بمواقع أعضاء الحزب؛ فيُقدَّم من ينسجم مع مزاجه المتقلب، ويُقصى وتُخسف الأرض بمن يعارضه، أو يحاول ثنيه وردّه إلى جادة الديمقراطية.

ولا يقف الأمر عند حدود الإقصاء التنظيمي، بل يتجاوز ذلك إلى شن حملات شعواء تتضمن التشويه والافتراء، والتلويح له بالغضب الذي يراد أن يُفهم ضمنيا على أنه غضب الدولة نفسها، في ممارسة خطيرة تخلط بين الحزب والعلاقة بالسلطة!

إن وجود الهيمنة الشخصية، ذات النفوذ، وغير الخاضعة للمساءلة داخل الأحزاب هو حالة تتنافى مع التقاليد الحزبية الراسخة؛ ففي بريطانيا، أُجبر رئيس الوزراء بوريس جونسون على الاستقالة بسبب استياء داخلي في حزبه المحافظ، حين رأى نواب الحزب أن سلوكه أضرّ بالمؤسسة وبثقة الرأي العام، ما يؤكد أن الزعيم هناك يخضع للحزب، ولا يخضع الحزب للزعيم.

وفي جنوب أفريقيا، لم تشفع الرمزية التاريخية للرئيس جاكوب زوما في حمايته من المساءلة، إذ اضطر إلى التنحي بضغط مباشر من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، حفاظا على صورة الحزب والدولة معا، وقبل أي إجراء قضائي.

ما جرى في هاتين الحالتين ليس سلوكا غير مألوف، بل هو التطبيق العملي لمبدأ شائع في الأدبيات السياسية الحديثة يُعرف بـ Party Accountability (المساءلة الحزبية)، حيث يخضع القادة، مهما بلغت مكانتهم أو نفوذهم، للمساءلة داخل أحزابهم وفق أنظمتها الداخلية، وتبقى المؤسسة أعلى من الفرد، بعكس الوضع في بعض الأحزاب الأردنية اليوم.

التحدي اليوم أن نموذج الولي الفقيه يتناقض مع الخصوصية الدستورية للملك، المصون وحده من المسؤولية، ما يجعل أي تجاوز أي حزبي على النظام الأساسي للحزب، والالتفاف على المؤسسات، والتحدث باسمها دون تفويض، أمرا خطيرا، لأنه يسعىى إلى تفريغ الرؤية الملكية من مضمونها، ويقتل الفكرة الحزبية من الداخل، ويخل بالثقة العامة في مشروع التحديث السياسي.

مدار الساعة ـ