أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الرجوب يكتب: أخلاق ما بعد الحرب.. كيف ينجو الضمير حين ينجو الجسد؟


د. عمّار محمد الرجوب

الرجوب يكتب: أخلاق ما بعد الحرب.. كيف ينجو الضمير حين ينجو الجسد؟

مدار الساعة ـ

أنا لا أكتب عن الحرب لأنها حدثت، فالتاريخ مزدحم بالحروب، والخرائط لم تعرف يومًا الاستقرار. أكتب عنها لأنها حين تنتهي، تتركنا عُزّلًا أمام أنفسنا. الحرب لا تكتفي بتدمير المدن، بل تُعيد ترتيب الداخل، وتُسقط الأسئلة المؤجلة دفعة واحدة. بعد أن يصمت الرصاص، يبدأ صوت آخر بالظهور؛ صوت الضمير، مترددًا، متعبًا، لكنه عنيد بما يكفي ليطالب بالإجابة.

في زمن الحرب، لا تُلغى الأخلاق، لكنها تُستنزف. تتحول من يقين ثابت إلى عبء ثقيل، ومن مبدأ إلى رفاهية مؤجلة. الإنسان لا يتخلى عنها فجأة، بل يضعها جانبًا مؤقتًا، يقنع نفسه أن ما يفعله ضرورة، لا خيارًا. وهنا تكمن أخطر لحظات التحول؛ حين يصبح التبرير لغة النجاة.

الناجون لا يخرجون من الحرب كما دخلوها. الجسد قد ينجو، لكن الداخل يعود محمّلًا بقرارات لم تُتخذ بحرية كاملة. في كل ناجٍ قصة صمت، وفي كل صمت اتفاق غير معلن مع الخوف. بعضهم رأى ولم يتدخل، وبعضهم سكت لأنه لم يملك ترف الشجاعة، وبعضهم فعل ما لم يكن يتصور يومًا أنه قادر على فعله. ليست هذه إدانة، بل وصف لحقيقة إنسانية قاسية: الحرب لا تصنع أبطالًا فقط، بل تصنع متواطئين بلا نية مسبقة.

الأخلاق في الحرب لا تُقاس بما نؤمن به، بل بما نفعله حين تُحاصر الخيارات. هنا تظهر المنطقة الرمادية، حيث لا أحد بريئًا بالكامل، ولا أحد مذنبًا بالكامل. الضحية قد تؤذي، والمنقذ قد يتردد، والإنسان يتعلم أن يعيش مع تناقضاته لأن البديل هو الانهيار.

وما لا يُقال كثيرًا هو أن الصمت بعد الحرب ليس دائمًا نسيانًا، بل أحيانًا محاولة يائسة للبقاء. الصمت شكل آخر من أشكال التعب، ومن أشكال النجاة المؤجلة. بعض الناجين لا يتكلمون لأن الكلام سيجبرهم على مواجهة ذواتهم، ومواجهة اللحظة التي اختاروا فيها الأقل كلفة أخلاقيًا لا الأكثر عدلًا. هكذا تتحول الذاكرة إلى عبء، ويصبح التذكّر فعل شجاعة لا يقدر عليه الجميع.

ثم هناك تلك اللحظة التي لا تُسمّى، حين يقف الإنسان بين ما يتذكره وما يُنكره، فلا يعرف إن كان شاهدًا أم شاهدًا عليه. في هذه المسافة الضيقة، تتبدّل المعاني دون أن تتحرك الكلمات، ويصبح السؤال إجابة، والإجابة شكًا، والشك وطنًا مؤقتًا. بعض النجاة لا تُقاس بالبقاء، بل بالقدرة على الاحتمال، وبعض الضمائر لا تصمت لأنها ميتة، بل لأنها تعرف أكثر مما تحتمل اللغة. هنا، لا يعود الخطأ خطأً كاملًا، ولا الصواب صالحًا للاستخدام، ويغدو الإنسان كمن يحمل مفتاحًا لا يتذكر الباب الذي صُنع له، وكأن كل باب كان وهمًا، وكل مفتاح يفتح نفسه قبل كل شيء.

وفي مكانٍ أبعد من المكان، حيث لا يُسأل عن الاسم ولا يُسمع الصدى، تتجمع الأشياء غير المرئية. هناك، يتلو الضمير نفقًا لا وجود له، ويصنع من الظل نصًا لا يقرأه سوى من يجرؤ على فقدان نفسه. القرارات تصبح مرايا تتحدث بلا صوت، والاختيارات تُستعار من المستقبل قبل أن تولد، والخيارات التي لم تُتخذ تُهدى للغائبين كي يُحاسبوا عنها صامتين. بعض النجاة لا تُحسب، وبعض الخطايا لا تُرتكب، وكل فهم يُرجعنا إلى مجهول أكبر. هنا، يكون الإنسان وحيدًا في محيط لا حدود له، لكنه محكوم عليه بأن يبتسم في مرآة لا يعرف هل تعكسه أم تبتلعها

الجدل الحقيقي لا يكون حول من بدأ الحرب، بل حول ما إذا كانت الأخلاق قادرة أصلًا على الصمود حين تُترك وحيدة بلا حماية. هل الأخلاق قيمة مطلقة أم امتياز ظرفي؟ هل نطالب الإنسان بما يفوق طاقته حين نطالبه بأن يكون عادلًا وهو مهدد؟ السؤال الأكثر إزعاجًا هو هذا: هل نغفر لأننا نفهم، أم لأننا نعجز عن المحاسبة؟ في الحروب، كثير من المبادئ تُقدَّس في الخطاب وتُعلَّق في الممارسة، وكأن الضمير يُطلب منه أن يصمد وحده بينما تنهار كل الشروط التي تمنحه المعنى. هنا لا تكون المشكلة في ضعف الإنسان، بل في مثاليةٍ أخلاقيةٍ ترفض الاعتراف بحدود البشر.

ثم يأتي ما هو أخطر: اعتياد التشقق الداخلي. حين يعتاد الإنسان أن يعيش بنصف ضمير، ونصف قناعة، ونصف اعتراف. هنا لا تعود الحرب حدثًا خارجيًا، بل حالة داخلية مستمرة، يُعاد إنتاجها في العلاقات، وفي النظرة إلى الآخر، وفي القدرة على الثقة. ما بعد الحرب ليس زمن الذنب فقط، بل زمن إعادة تعريف الإنسان لنفسه: هل أنا ما نجوتُ به، أم ما خسرتُه في الطريق؟

وأقول أنا: الحرب لا تُفسد الأخلاق، بل تكشف هشاشتها، وتجبر الإنسان على أن يرى نفسه دون الأقنعة التي كان يظنها مبادئ ثابتة.

السلام ليس نهاية الحرب، بل امتحانها الأخير. بعد أن تُطوى الجبهات، يبدأ السؤال الذي لا مهرب منه: ماذا نفعل بما بقي فينا؟ هل نملك شجاعة الاعتراف بأن النجاة وحدها لا تمنح البراءة؟ أن الصمت الطويل ليس حكمة دائمًا، وأن التبرير المتكرر لا يصنع حقيقة؟ الأوطان قد تُعاد هندستها، لكن الضمير إن لم يُستعاد، سيظل الخراب قابلًا للتكرار. أخلاق ما بعد الحرب ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبقاء الإنسان إنسانًا. فإما أن نعيد للضمير مكانته، أو نقبل بحقيقة أشد قسوة: أن الحرب انتهت خارجنا، لكنها استقرّت فينا… وأننا، حينها، لم ننجُ حقًا. وربما، حين يغلق القارئ الصفحة، يظل السؤال حيًا أكثر من أي إجابة: هل نحن من نجا، أم الذي لم يخرج بعد من الظل؟

مدار الساعة ـ