أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القيسي يكتب: الكرك والباشا العثماني والسفير الأمريكي


جمال القيسي

القيسي يكتب: الكرك والباشا العثماني والسفير الأمريكي

مدار الساعة ـ

البطولات العظيمة في التاريخ ليست صدفة، ولا تنشأ من فراغ. هي نتاج قيم متجذرة، لا سيما في المجتمعات التي لم تنقطع فيها المروءة، حيث يتوارث الناس الموقف كما يتوارثون الاسم والملح والملامح. وما جرى في بيت عزاء الضمور، حين طُلب من السفير الأمريكي مغادرة المكان، لا يمكن فهمه إلا بوصفه امتدادا لسيرة قديمة عنوانها: الكرامة قبل كل شيء.

قبل ما يقارب قرنين من الزمن، بل في العام 1832 م تحديدا، وقف الشيخ إبراهيم الضمور، الشيخ الرمز، في مواجهة واحدة من أقسى محاولات الابتزاز السياسي والعسكري في تاريخ المنطقة. كان الدخيل يومها الفلسطيني قاسم الأحمد الذي ثار على ظلم إبراهيم باشا فاستبيح دمه، فلجأ إلى الكرك طلبا للحماية. لم يكن ضيفا وحسب، بل فلسطينيا دخيلامطاردا ومظلوما، يبحث عن ملاذ يحفظ له حياته وكرامته.

في منطق السلطة المستبدة آنذاك، جاءت الرسالة إلى الكرك والضمور عارية من أية قيمة أخلاقية:

سلّموا الدخيل… أو نحرق ولديك.

وقع ولدا الشيخ إبراهيم الضمور، ووُضعا تحت التهديد المباشر. المقايضة الفجة كانت واضحة: حياة الابنين مقابل تسليم الفلسطيني الدخيل. هنا أخرجت الكرك القصة من إطار الحكاية الشعبية لتحولها إلى ملحمة بطولية ودرس أخلاقي وسياسي عظيم البلاغة.

اختار الشيخ إبراهيم، ومعه زوجته عليا، التي يسجل التاريخ موقفها بمداد من نار، أن لا يُسلَّم الدخيل. لأن تسليمه خيانة للمروءة، وانكسارا أمام الظلم، وتكريسا لمنطق القوة. أُحرِق الابنان، وبقيت القصة حية، تقشعر لها أبدان الأحرار فخرا وحزنا معا.

اليوم يتغير المشهد، لكن جوهر الامتحان لم يتبدل. لم يبرد قلب غزة التي ذاقت العذاب واكتوت بالنار: تُقصف، وتُجوَّع، ويُذبح أطفالها على مرأى العالم. والسياسة الأمريكية، بوضوح لا لبس فيه، شريك مباشر في هذا العدوان، دعما وتسليحا وحماية سياسية.

حين دخل السفير الأمريكي إلى بيت عزاء الضمور، لم يكن حضوره اجتماعيا بريئا في وعي الناس؛ بل دخل محملا بدلالة سياسية، وبثقل الدم الفلسطيني، وبصور خيام غزة، وبصرخات الأطفال تحت الركام.

وهنا تكررت القصة، ولكن بصيغة أخرى.

كما رفض الشيخ إبراهيم الضمور تسليم الدخيل الفلسطيني المظلوم، رفض أحفاده اليوم منح الشرعية الرمزية لممثل دولة تشارك في ظلم الفلسطينيين. لم يتجاوزوا حدود الذوق الاجتماعي وتم الطُلب من السفير المغادرة، باحترام ووضوح، ولكن بحزم لا يقبل التأويل.

هذا الموقف لم يكن انفعالا بقدر ما هو موقف وعي ونقاء وشجاعة ووفاء، ولم يكن خروجا على الدولة، بل انتصارا للمعنى. معنى أن العشيرة ليست ديكورا اجتماعيا، بل حارسة للقيم. وأن فلسطين، في الوعي الأردني العميق، ليست قضية خارجية، بل امتحانا أخلاقيا دائما.

الفرق بين الأمس واليوم أن النار لم تضرم، لكن الموقف بقي نفسه.

في الأمس:

"الحياة موقف وحتى لو أحرقتم أبناءنا لن نُسلِّم الدخيل ولن تدخلوا الكرك غزاةً فاتحين"!

واليوم:

"غادروا عزاءنا. لن تدخلوه غزاة بلبوس معزين. الدم الفلسطيني ليس رخيصا ولا مساومة على الدم"!

يخطئ القراءة من يرى في هذا الموقف تصعيدا، ومن يراه خروجا على الأعراف، لا يعرف أن جينات الأردنيين منحازة دوما لحماية المظلوم، ولا تكترث لمجاملة المستبد، وما فعله أحفاد إبراهيم الضمور ليس إلا ترجمة دقيقة لجينات قديمة، ورثت النبل والمروءة بالأفعال لا بالشعارات.

هنا، لم يستدع أحفاد الضمور التاريخ ليكون شاهدا بل استدعوه ليحاكم الحاضر.

وأكدوا أن فلسطين لا تستسلم ولن تسلّم.

وأن غزة، مهما حوصرت، لن نتركها وحدها في اختبار الكرامة مهما طال ليل الاحتلال.

مدار الساعة ـ