ما هو مصير العمل الحزبي في الأردن في ظل التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة، وفي ظل إعلان الإدارة الأميركية تصنيف فروع جماعة الإخوان كمنظمات إرهابية، وما ترتب على ذلك من فراغ سياسي واضح؟
سؤال لم يعد نظريًا أو مؤجلًا، بل يفرض نفسه اليوم كعنوان للمرحلة المقبلة. القرار الأميركي كشف ما يعرفه الجميع: الجماعات المؤدلجة لم تعد خيارًا مقبولًا في المنطقة، والمرحلة الحالية تمثل اختبارًا تاريخيًا لكل الأحزاب الأردنية.لم يعد بالإمكان للأحزاب الأردنية الاكتفاء بالشعارات العامة أو التواجد الرمزي في مجلس النواب. الفراغ الذي تركته جماعة الإخوان في الشارع والقاعدة الشعبية بات ساحة مفتوحة أمام القوى الحقيقية لفرض نفسها. هنا تتضح المعادلة: من يمتلك رؤية واضحة وبرنامجًا عمليًا يلتقط الفرصة بسرعة، ومن يواصل الغموض أو التردد سيجد نفسه خارج الحسابات السياسية تدريجيًا. هذه ليست مجرد مسألة منافسة حزبية، بل لحظة فرز سياسي تحدد من سيشارك في تشكيل المشهد الوطني، ومن سيصبح هامشًا مستبعدًا.فراغ الإخوان السياسي، الناتج عن سياساتهم وأيديولوجياتهم الضبابية، خلق فرصة للأحزاب الأردنية لاستعادة موقعها وتقديم نفسها كقوى وطنية واضحة. يمكن لهذه الأحزاب تقديم برامج عملية تعالج قضايا المواطنين اليومية، مثل الاقتصاد والبطالة والخدمات العامة، وتوسيع شبكات تحالفاتها الداخلية مع فصائل صغيرة وشبابية لتعزيز تأثيرها بسرعة. التحدي الأكبر أمامها هو تجاوز رهانات الغموض، وفرض وجود ملموس على الأرض، قائم على برامج قابلة للتنفيذ وقيادة قادرة على اتخاذ القرار بثقة.يتقدم حزب جبهة العمل الإسلامي كحالة اختبارية بالرغم من أنه حزب مرخّص قانونيًا وأنه حزب وطنيًا. لكن الحزب لم يعد أمامه متسع لعدم الإجابة على الأسئلة الجوهرية أمام الرأي العام الأردني: من هو؟ ما مشروعه؟ وكيف يوازن بين المرجعية الفكرية ومتطلبات التوافق مع الدولة؟ خياراته الثلاثة باتت واضحة، ولكن ليس بالضرورة أنه ملزم بأي منها:الخيار الأول هو الاحتواء الدفاعي، ويعني التمسك بالقانون، تخفيف سقف الخطاب، وتجنب المواجهة المباشرة. هذا الخيار قد يحافظ على الوجود الشكلي، لكنه يضع الحزب في موقف دفاع دائم، ويحد من قدرته على التأثير.الخيار الثاني هو التحول الجذري، عبر إعادة بناء الحزب كقوة وطنية مستقلة، مع تقديم برنامج عملي وقطع أي التباس حول مشروعه السياسي. هذا الخيار محفوف بالمخاطر الداخلية والانقسامات المحتملة، لكنه الوحيد القادر على ضمان مستقبل سياسي مستقر للحزب.الخيار الثالث هو الانقسام الصامت، حيث يؤدي التردد والتأجيل إلى تآكل داخلي تدريجي وفقدان التأثير بشكل متواصل، مع بقاء الشكل الخارجي فقط. هذا الخيار يمتص ما تبقى من قدرة الحزب على التأثير دون مواجهة مباشرة، ويتركه في موقع ضعيف داخل المشهد السياسي.في المقابل، وضعت الدولة الأردنية قواعد صارمة: المجال السياسي مفتوح، لكن ضمن شروط واضحة. من يلتزم بها يجد مساحة للمناورة، ومن يراهن على التلاعب أو التأجيل سيجد نفسه خارج المشهد بلا إنذار.الفراغ الذي تركته جماعة الإخوان لم يعد مجرد فرصة، بل اختبارًا لقدرة الأحزاب على استيعاب المشهد الجديد، واستغلال اللحظة الاستراتيجية، وإعادة رسم تحالفاتها الداخلية والخارجية. بعض القوى الصغيرة قد تتحول فجأة إلى لاعب مؤثر إذا نجحت في فرض نفسها في مناطق النفوذ التقليدية للجبهة، بينما القوى الأكبر التي تفشل في قراءة الوضع ستشهد تراجعًا سريعًا في شعبيتها وقدرتها على التأثير.اليوم، لم يعد هناك مجال للانتظار أو التردد. هذه لحظة فارقة في السياسة الأردنية، وستحدد من سيبقى على المسرح، ومن سيُطوى اسمه تدريجيًا. جبهة العمل الإسلامي، والأحزاب الأخرى، أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف مواقعها. من لا يحسم خياره اليوم لن يُقصى بالقوة، لكنه سيُترك خارج دائرة القرار، بينما من يتحلى بالجرأة والوضوح سيجد الطريق مفتوحًا لإعادة تشكيل المشهد. هذه قراءة صارمة لواقع سياسي جديد لا يقبل التهاون.حدادين يكتب: ماذا بعد فراغ جماعة الإخوان؟
مدار الساعة ـ