في الشارع الأردني، لا يُقابل الحديث عن الأحزاب بالرفض بقدر ما يُقابل بالشك والإحباط؛ شكٌّ تغذّيه تجارب متراكمة، وخطاب مرتفع، ونتائج غائبة. وإحباط مصدره قناعة راسخة بدوران الأحزاب في فلك السلطة؛ الأمر الذي يشكل حالة عزوف واضحة عن الانخراط في العمل الحزبي؛ ليس لأن الأردنيين يرفضون العمل السياسي، بل لأنهم لم يروا بعد ما يقنعهم بأن الأحزاب تمثلهم فعلاً، أو تعبّر عن أولوياتهم اليومية وهمومهم المعيشية.
في كتابه الشهير «ما العمل؟»، طرح لينين فكرة مركزية مفادها أن الطبقة العاملة، أو الجمهور عموما. لا يطوّر وعيا سياسيا متقدما تلقائيا؛ بل يحتاج إلى تنظيم واعٍ وقيادة مثقفة قادرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى مشروع سياسي واضح المعالم. هذه الفكرة، رغم اختلاف السياق التاريخي، تُلقي ضوءا كاشفا على إحدى أبرز أزمات الحياة الحزبية في الأردن اليوم.الواقع الحزبي الأردني، رغم تعدد أحزابه التي يناهز عددها الثلاثين، يعاني من ضعف الأثر السياسي والبرامجي؛ فغالبية قيادات هذه الأحزاب غارقة حتى أذنيها بصراعات داخلية على الهيئات القيادية؛ فيما تغيب البرامج القابلة للتطبيق، أو تلك المرتبطة مباشرة بحياة المواطن من بطالة وغلاء معيشة وخدمات وتعليم ونقل وصحة.كما يلاحظ الشارع الأردني أن الأحزاب مرتبطة بقيادات فخرية لها خبرة نيابية أو وزارية سابقة. هذه الخبرة ليست عيبا بحد ذاتها؛ بل يمكن أن تشكّل قيمة مضافة، إلا أن الإشكالية تظهر حين تتحول تلك الخبرة إلى احتكار الرأي الصواب، أو حين يبلغ بها الغرور السياسي حد التفرد الشخصي بالقرار الحزبي الذي هو توجه وطني لا سياسة داخلية للحزب، وكذلك يتعثر العمل الحزبي حين يُقدَّم التاريخ السياسي الشخصي على حساب الفكرة والعمل الجماعي، وحين ينقذ الأحزاب من الحل حظوة قياداتها لدى مطبخ القرار بدل أن يترسخ احترامها بسبب حضورها وتأثيرها في الشارع.في الوقت نفسه، لا يمكن للدولة وهي تسعى لبلورة مشروع التحديث السياسي، تجاهل غياب أو تهميش الكفاءات الفكرية والمثقفين القادرين على بلورة رؤية سياسية متماسكة في الأحزاب؛ فالحزب، في جوهره، أداة تنظيمية حضارية وتقدمية وتنويرية لتحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات عامة. دون هذا الدور، تتحول الأحزاب إلى هياكل شكلية منفصلة عن المجتمع وتجمعات انتخابية ونوادٍ للوجاهة السياسية.الأردني اليوم أكثر وعيا بحكم التجارب الطويلة. هو لا يرفض الأحزاب من حيث المبدأ، لكنه يرفض الخطاب الشعبوي الفارغ، ويشك في الوعود التي لا تُترجم إلى مواقف، ولا يرى نفسه في أحزاب تتحدث باسمه دون أن تنزل إلى واقعه. هذا الوعي المتشكك لا يُعالج بالشعارات، بل بالمصداقية والعمل الديمقراطي الحقيقي قولا وممارسة.التحدي الحقيقي أمام الأحزاب الأردنية لا يكمن في زيادة عدد أعضائها، ولا في الفوز بمقاعد تنظيمية داخلية بلا أثر سياسي في المجال العام؛ بل في إعادة بناء الثقة عبر تحقيق توازن حقيقي بين الخبرة السياسية، والكفاءة الفكرية، والتمثيل الشعبي الواسع. دون هذا التوازن، ستبقى الأحزاب تدور في حلقة معارك صغيرة مغلقة، بينما يزداد الشارع ابتعادا وسخريةً ولا مبالاة.الدرس الواضح اليوم هو أن تحديث الحياة الحزبية لا يبدأ من القوانين وحدها، بل من داخل الأحزاب نفسها: من برامج واضحة، وخطاب ديمقراطي صادق، وقيادات ترى في الحزب وسيلة لخدمة المجتمع لا منصة للتموضع الشخصي. عندها فقط، يمكن استعادة ثقة الأردنيين بالأحزاب، وتحويل الشك والإحباط إلى مشاركة حقيقية، واللامبالاة إلى فعل سياسي وطني وازن.القيسي يكتب: لماذا لا يثق الأردنيون بالأحزاب؟
مدار الساعة ـ