أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

علي تكتب: السؤال الأول.. وفرق المعنى!


أمل علي
مستشارة أسرية

علي تكتب: السؤال الأول.. وفرق المعنى!

أمل علي
أمل علي
مستشارة أسرية
مدار الساعة ـ

تستقبل الأم طفلها العائد من المدرسة بعدة أسئلة، ولكن السؤال هو الأهم! قد يكون بوابة أمان، ومساحة حب، وفرصة ليشعر الطفل أن وجوده فارق ..وأن قلب والدته كان ينتظره هو ..

لكن حين يكون السؤال الأول: “كيف كان أداؤك في الامتحان؟ كم كانت علامتك؟” قبل أن نسأله عن يومه، أو نُشعره بالشوق، فإن الرسالة التي يتلقاها — ولو لم نقصد — هي أن قيمته في رقم، وأن مشاعره تُقصى لصالح نتيجة. وهنا يبدأ الطفل بإعادة ترتيب ذاته وفق ما نُظهره نحن من أولويات؛ فيتشكل داخله صوت قاسٍ يحاسبه أكثر مما يحتويه، وتضطرب دوائر الأمان النفسي وتقدير الذات لديه، لأنه فهم — وحده — أن “الحب مشروط”.

نحن ننسى أن السؤال الأول هو بوابة العلاقة.

من خلاله يعرف الطفل ما الذي يُشغل قلب والديه فعلاً. فإما أن يرى أن اهتمامهم يبدأ به، أو يبدأ بإنجازه. وإما أن يشعر أن يومه يستحق أن يُروى، أو أن علامته فقط تستحق أن تُناقَش.

والطفل — في الحقيقة — لا يخاف من الامتحان بقدر ما يخاف من ردّة الفعل. كثير من الأطفال يدخلون قاعة الاختبار وهم مُثقلون بهاجس العقاب أو خيبة الأهل، لا رغبة في التفوق. ضغطٌ كهذا لا يصنع إنجازًا حقيقيًا… بل قلقًا ممتدًا.

كنتُ في نقاش ودي مع أبنائي — وقد أصبحوا شبابًا — عن ذكريات طفولتهم. كان أكثر ما بقي في ذاكرتهم هو ردّة فعلي الأولى الغاضبة تجاه علامات متدنية. وصفوا لي طريق العودة للمنزل بأنه كان “ثقيلاً”، لأن الخوف والذنب يسبقهم قبل الباب. رغم ندرة هذه الحوادث في طفولتهم إلا أنها ليست حكاية من الفضاء… بل واقع نعرفه جميعًا، وسلوك تَعَلَّمنا أن نُكرره دون وعي… فكيف بمن تشكلت طفولته بأصبع الاتهام .. وحِيَل الدفاع!

التربية ليست -كما الحب - فطرية.

التربية علم، ونظريات، وممارسات واعية تستند إلى فهم عميق لاحتياجات الطفل النمائية. كانت المعرفة سابقًا محدودة، أما اليوم — في زمن الانفجار المعرفي وسهولة الوصول للمعلومة — لم يعد لنا عذر. أصبحنا موقوفين مسؤولين أمام ما نعرفه وما نُدركه.

إن تشجيع الطفل لا يعني تجاهل التحصيل، بل وضعه في سياقه الصحيح. يمكننا أن نسأل عن العلامة، وأن نتابع الأداء، ولكن بعد أن نطمئن على قلوبهم أولاً. بعد أن نخبرهم — بالفعل قبل القول — أن الامتحان حدث… لا هوية. وأن النجاح جميل، لكنه ليس شرطًا للحب.

فالبيت الذي يسبق العلامة بالسؤال: “كيف كان يومك؟” يبني شخصية واثقة، وطفلًا يعلم أن أخطاءه فرص تعلم لا أسباب عقاب.

والأسرة التي تعيد ترتيب الأسئلة، تعيد ترتيب الأمان في نفوس أبنائها.

نحن حين نغيّر “السؤال الأول”… نغيّر الكثير.

نغيّر ذاكرة أبنائنا، طريق عودتهم إلى البيت، علاقتهم بأنفسهم، وصوتهم الداخلي الذي سيرافقهم حتى الكِبر.

التربية فعل حب، وحضور، ووعي.

وكل تغيير صغير — يبدأ بسؤال — قد يصنع أثرًا كبيرًا في قلب طفل!

مدار الساعة ـ