أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حدادين يكتب: حين يُسحب الغطاء السياسي


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

حدادين يكتب: حين يُسحب الغطاء السياسي

مدار الساعة ـ

لم يكن إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ولبنان ومصر منظمات إرهابية حدثًا خارجيًا عابرًا، بل جاء كحلقة متأخرة في مسار سياسي وقانوني كانت الدولة الأردنية قد حسمته مسبقًا بهدوء وثبات. الفارق الجوهري أن الأردن لم ينتظر هذا التصنيف، ولم يبنِ موقفه عليه، بل اتخذ قراره عبر مسار داخلي استند إلى القانون والقضاء ومفهوم السيادة الفاعلة، في لحظة قررت فيها الدولة إنهاء مرحلة طويلة من إدارة الالتباس. القرار الأميركي، بكل ثقله، لم يكن نقطة البداية، بل تأكيدًا متأخرًا لمسار أردني مكتمل، وهو ما يُسقط أي محاولة لقراءة المشهد بوصفه استجابة أو اصطفافًا تابعًا.

في هذا الملف، لم تتحرك الدولة الأردنية بدافع الانفعال أو تحت ضغط اللحظة الإقليمية، بل انطلقت من قناعة راسخة بأن استمرار ازدواجية المشروعية، بين دولة ذات دستور ومؤسسات، وتنظيمات سياسية ذات مرجعيات عابرة للحدود، لم يعد قابلًا للاستدامة. لذلك جاء الحسم واضحًا: لا مكان لكيانات تعمل داخل الدولة بمنطق يتجاوزها، ولا شرعية لمشاريع سياسية تستمد جزءًا من قوتها من خارج الإطار الوطني، مهما حاولت إعادة تقديم نفسها بلغة مخففة أو خطاب أكثر ليونة. ما جرى لم يكن إقصاءً، بل إعادة تعريف صارمة لحدود العمل السياسي وفق معايير الدولة، لا وفق اعتبارات التنظيم.

من هنا، يصبح الانتقال إلى جبهة العمل الإسلامي انتقالًا طبيعيًا لا يمكن تجاوزه. فالحزب، الذي شكّل لسنوات طويلة ذراعًا سياسية منظمة داخل الحياة البرلمانية، يجد نفسه اليوم أمام معادلة لا تقبل التأجيل: إما إعادة تعريف شاملة للذات السياسية، أو الاصطدام بواقع جديد لا يترك مساحات رمادية. لم يعد كافيًا التمسك بالشكل القانوني أو بالتمثيل البرلماني، لأن السؤال المطروح اليوم أعمق، ويتعلق بطبيعة المشروع السياسي نفسه، وبالمرجعية الفعلية التي تضبط القرار والخطاب.

جبهة العمل الإسلامي لا تواجه في هذه المرحلة ضغطًا عابرًا، بل اختبارًا وجوديًا حقيقيًا. فالمعادلة لم تعد تتعلق بحزب يشارك في الانتخابات، بل بمشروع سياسي يُسأل اليوم عن جذوره لا عن واجهته. الزمن الذي كان يسمح بتأجيل الأسئلة الكبرى انتهى، ولم يعد ممكنًا الاحتماء بخطاب عام يتجنب الحسم. إما إعادة تعريف كاملة للهوية السياسية على أساس وطني صريح، أو البقاء في منطقة الالتباس التي ستتحول تدريجيًا من هامش مناورة إلى عبء سياسي ثقيل. هذه ليست لغة تهديد، بل منطق السياسة حين تتغير قواعدها؛ ومن لا يراجع أدواته سيجد نفسه خارج المشهد دون قرار صدامي أو مواجهة مباشرة.

المرحلة المقبلة لا تحتمل الصيغ الملتبسة. الدولة الأردنية، التي اختارت الحسم، لم تفعل ذلك لإغلاق المجال السياسي أو إفراغه، بل لإعادة ضبط شروطه. المعارضة، في المفهوم الأردني، ليست خطرًا ولا عبئًا، بل وظيفة وطنية لها دورها، لكن لها أيضًا ضوابطها وحدودها. ما لم يعد مقبولًا هو معارضة بهوية مزدوجة، أو خطاب سياسي يتحرك على أكثر من مستوى، ويترك الباب مفتوحًا أمام تفسيرات تتناقض مع منطق الدولة ومصالحها العليا. الوضوح هنا ليس خيارًا، بل شرط استقرار.

في المقابل، لا تُلوّح الدولة بالعصا ولا تبحث عن تصفية حسابات مؤجلة، لكنها أيضًا لم تعد تقبل إدارة المشهد السياسي بمنطق المجاملة أو التسويات الرمادية. الرسالة التي تُبث بهدوء لكنها حاسمة في مضمونها تقول إن المرحلة المقبلة لا تحتمل ازدواجيات ولا خطوطًا خلفية. العمل السياسي مرحب به، والمعارضة جزء من التوازن، لكن ضمن قواعد واضحة لا تقبل التأويل. من يختار البقاء داخل هذه القواعد سيجد الدولة حاضنة للعمل السياسي، ومن يصر على البقاء خارجها سيكتشف أن المشهد تغيّر من دون أن ينتظره أحد.

القرار الأميركي، وإن لم يكن أساس المعادلة الأردنية، أضاف طبقة جديدة من الضغط السياسي. فهو يضيّق هامش المناورة أمام أي محاولة لإعادة التموضع دون تغيير حقيقي، ويجعل أي التباس في الخطاب أو السلوك مكلفًا، ليس داخليًا فقط، بل على مستوى الصورة العامة. كما أنه يضع أي حزب ارتبط تاريخيًا بهذا التيار تحت مجهر دائم، في لحظة يتجه فيها العالم نحو إعادة تعريف مفهوم العمل السياسي وحدوده.

الأهم في هذا المشهد أن الأردن لا يعيد ترتيب بيته الداخلي استجابةً للخارج، بل انسجامًا مع ذاته أولًا. القرار الوطني سبق القرار الدولي، وهذه ليست تفصيلة شكلية، بل رسالة سياسية مكتملة المعنى. ما يجري اليوم ليس سوى تثبيت لمسار اختارته الدولة منذ سنوات، حين قررت أن الاستقرار لا يُبنى عبر التعايش مع التناقضات، بل عبر مواجهتها بهدوء وحزم، ومن دون ضجيج.

في الخلاصة، ما يحدث ليس حملة ولا استهدافًا، بل لحظة فرز سياسي لا تحتمل التأجيل. الدولة الأردنية أنهت مرحلة إدارة الالتباس وانتقلت إلى سياسة الوضوح الكامل، حيث تُقاس القوى السياسية بقدرتها على الانتماء الصريح لا بمهارتها في الالتفاف. الرسالة لم تُرسل عبر قرارات صاخبة، بل عبر مسار هادئ لا يترك مجالًا لسوء الفهم: من يريد العمل السياسي فالباب مفتوح، لكن بشروط الدولة لا بشروط التنظيمات، وبقواعد الوطن لا بحسابات الخارج. هذه لحظة اختيار لا لحظة مساومة؛ ومن يتردد في تحديد موقعه الآن، سيجد أن السياسة لا تنتظر المتأخرين، وأن المشهد يُعاد رسمه بمن حضر، لا بمن يراهن على الوقت الضائع.

مدار الساعة ـ