الجريمة في جوهرها ، ليست مجرد خرقٍ لنص قانوني جامد، بل هي قبل ذلك اعتداءٌ على منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع الإنساني؛ فكل فعل جرّمه المشرّع وحدّد له عقوبة، إنما عبّر، بالتزامن مع ذلك، من خلال هذا التجريم عن إدانة أخلاقية وفلسفية للسلوك، قبل أن تكون إدانة قانونية؛ فالقانون لا يُنشئ القيم، بل يحرسها، ولا يبتدع الأخلاق، بل يتدخل حين تُنتهك.
انتهاك الخصوصية، بصوره المختلفة، وفي مقدمتها تسجيل المكالمات و/أو فتح السماعة الخارجية، أو السماح بتسجيلها، أو تمكين الغير من سماعها دون علم أو رضا الطرف الآخر، يُعدّ من أوضح صور هذا الانتهاك اللا أخلاقي؛ إذ يقوم على تحويل الإنسان من ذاتٍ حرةٍ لها كرامتها وحدودها الخاصة، إلى موضوعٍ مُستباح، تُراقَب أسراره وتُصادَر خصوصيته بلا إذن. وهذا السلوك، في ميزان الفلسفة الأخلاقية، يمثل انحدارا قيميا صريحا، لأنه يقوم على الغدر، والخداع، والتجسس، استباحة ما لا يملك الجاني حقّا فيه.وقد وعى المشرّع الأردني هذا البعد الخطير؛ فنصّ في قانون الجرائم الإلكترونية على تجريم تسجيل أو نقل أو نشر المكالمات أو المراسلات الخاصة دون موافقة أصحابها، وقرّر على ذلك عقوبة سالبة للحرية، إدراكا منه بأن المساس بالخصوصية ليس ضررا عابرا، بل اعتداء مباشر على الكرامة الإنسانية والأمن الشخصي. كما أكّد قانون العقوبات الأردني مبدأ حماية الحياة الخاصة، بوصفها من الحقوق اللصيقة بالشخصية الإنسانية، التي لا يجوز النيل منها تحت أي ذريعة.تبلغ الجريمة ذروة انحطاطها الأخلاقي حين يكون الهدف من تسجيل المكالمات أو الاطلاع على الرسائل الخاصة أو تحويلها إلى الغير، تحقيق منفعة شخصية للجاني، أو استخدامها وسيلة للابتزاز، أو التشهير، أو الإيذاء النفسي والمعنوي لصاحب الخصوصية. هنا لا يعود الفعل مجرد مخالفة قانونية، بل يتحول إلى سلوك نفعي عدواني، يقوم على استغلال الآخر وثقته، وهو ما تُجمع الفلسفات الأخلاقية على إدانته بوصفه فعلا قبيحا في ذاته، لا في نتائجه فقط.ولا يمكن فصل جريمة انتهاك الخصوصية عن الإطار الأوسع لسوء استخدام العلم والتقنية؛ فالعلم، في جوهره، وُجد ليُسهم في تحقيق رفاهية الإنسان، وتخفيف معاناته، وتطوير البحث العلمي والإنساني. غير أن الشخص الجاهل وغير السوي أخلاقيا هو من يحوّل أدوات المعرفة من وسائل للبناء إلى أدوات للشر، وكما استُخدم الذكاء الاصطناعي، على نحوٍ فجٍّ ومجرّد من أي وازع أخلاقي، في قتل عشرات الآلاف من الأبرياء في غزة بدل توظيفه في خدمة الإنسانية، يقوم الجاني في جرائم انتهاك الخصوصية باستخدام تقنية التسجيل، المخصّصة أصلا لغايات علمية وصحفية وبحثية مشروعة، لتحقيق مآرب ضيقة وعدوانية وأنانية وتافهة. المشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في العقل المنحرف الذي يُسخّرها، وفي الضمير المعطَّل الذي يُجرّد العلم من قيمه الأخلاقية، ويحوّله من أداة للارتقاء الإنساني إلى وسيلة للإيذاء والانتهاك.أما الانحطاط الأخلاقي الأشد، فيتمثل في التحريض على هذا الفعل. فالمحرّض، وإن لم يضغط زر التسجيل بنفسه، إلا أنه شريك في الجريمة من حيث الجوهر القيمي؛ لأنه أطلق الإرادة الإجرامية، وشرعن الانتهاك في وعي الفاعل. ولذلك ساوى القانون الأردني بين المحرّض والفاعل الأصلي في العقوبة، انطلاقا من إدراك عميق بأن الجريمة تبدأ في الفكرة قبل أن تتحقق في الفعل، وأن فساد الضمير لا يقل خطرا عن فساد السلوك.ولا يفوت التنبيه إلى أن الجرائم الإلكترونية، وبخاصة جرائم انتهاك الخصوصية، لا يُشترط لإثباتها بقاء الأثر المادي للجريمة قائمًا وقت الضبط أو الفحص الفني؛ فالعبرة في الإثبات الجنائي ليست بما هو قائم فحسب، بل "بما ثبت أنه كان". وقد استقر الفقه الجنائي والقضاء المقارن على أن الدليل الرقمي، شأنه شأن أي دليل آخر، قد يُستمد من الآثار التقنية، أو من القرائن الرقمية المتقاطعة، أو من تقارير خبراء الجرائم الإلكترونية التي تُثبت، بدرجة يقين وترجيح فني معتبر في المحاكم، تعرّض الهاتف للتسجيل أو المراقبة في فترة زمنية محددة. وعليه، فإن انتفاء التسجيلات أو حذفها لا ينفي وقوع الجريمة، متى قام الدليل الفني أو نهضت القرينة على ثبوتها، ذلك أن الجريمة الرقمية بطبيعتها قابلة للمحو، لكن آثارها لا تزول من منطق الوقائع ولا من تسلسلها الزمني.وهكذا، فإن العقوبة في جرائم انتهاك الخصوصية لا تُفهم بوصفها انتقاما تشريعيا، بل باعتبارها استكمالا لفلسفة الأخلاق، وإعادة ترسيم للحدود التي لا يجوز للإنسان أن يتجاوزها في علاقته بالآخرين. فحين تنكسر الأخلاق، يتدخل القانون، لا ليصنع الفضيلة، بل ليمنع سقوط المجتمع في فوضى الانحطاط.القيسي يكتب: البعد الأخلاقي في التجريم
مدار الساعة ـ