في كل مرحلة تمر بها الدول، تظهر أنماط متكررة من الفعل السياسي تتجاوز النقد المشروع إلى ما يشبه حملات جلد الدولة ذاتها. لا تُدار هذه الحملات بوصفها مراجعة عقلانية للأداء العام، بل كأدوات تعبئة عاطفية تُستثمر فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لإعادة إنتاج شرعية مفقودة لدى بعض الجهات التي فشلت سابقًا في تحويل خطابها إلى إنجاز أو مسؤولية حكم. الاستجواب حق دستوري أصيل يمارسه مجلس النواب في إطار دوره الرقابي على الحكومة، ولا خلاف على مشروعيته، لكن الفارق يبقى جوهريًا بين مساءلة تهدف إلى التصويب وتحسين الأداء، وبين نبش انتقائي في الأوراق لا غاية له سوى الإثارة وتغذية الغضب العام وتوسيع فجوة عدم الثقة.
ما يجري اليوم ليس مواجهة تقليدية بين حكومة ومعارضة، بقدر ما هو صراع على الوعي العام وتوجيه المزاج الشعبي. البطالة في دولة يغلب عليها الشباب ليست وصمة سياسية، بل معضلة بنيوية تواجهها دول مستقرة وأخرى متقدمة، وتتأثر بعوامل ديموغرافية واقتصادية معقدة. التحديات الاقتصادية ليست دليل إخفاق بقدر ما هي انعكاس لبيئة دولية مضطربة، والتحديات السياسية ليست تهمة بحد ذاتها، بل نتيجة طبيعية لموقع جغرافي مفتوح على الأزمات والتحولات.الأخطر في هذا النمط من الخطاب أنه لا يكتفي بتحميل الحكومة مسؤولية كل تفصيل، بل يمتد ليطال صورة الدولة ووظيفتها في وعي الناس. حين تُقدَّم الصعوبات المؤقتة باعتبارها مأزقًا دائمًا، وحين تُصوَّر القرارات الصعبة باعتبارها دلالة على سوء الإدارة أو ضعف الرؤية، يصبح المواطن محاصرًا بخطاب يغذّي الإحباط ويدفعه إما إلى الغضب المستمر أو إلى اللامبالاة السياسية. وفي كلا الحالين، تستفيد القوى التي تُجيد العمل في مناطق الالتباس بين الخطاب الأخلاقي والديني من جهة، والعمل السياسي البراغماتي من جهة أخرى.هناك تيار معروف في الحياة السياسية العربية يتقن هذا النوع من اللعب على الحواف. لا يذكر الدولة إلا مقرونة بالتقصير، ولا يستحضر العدالة إلا بوصفها أداة اتهام، ولا يتحدث عن الفقر إلا ليمنحه بعدًا أخلاقيًا يُدين به الخصوم. هذا التيار لا يطرح حلولًا قابلة للتنفيذ بقدر ما يراكم سرديات مظلومية، ولا يبني برامج حكم متماسكة بقدر ما يعمل على تعبئة جمهور غاضب. وعندما يُختبر في ساحات المسؤولية المباشرة، يظهر التباين الكبير بين اتساع الشعارات وضيق القدرة على الإدارة، وبين الخطاب التعبوي ومتطلبات الدولة الحديثة.في العمق، نحن أمام محاولة لإعادة التموضع السياسي عبر الشعبوية، لا عبر البرامج ولا عبر العمل المؤسسي طويل النفس. هذا التموضع يحتاج إلى خصم دائم، ولا خصم أسهل من حكومة تواجه أصلًا ضغوطًا اقتصادية واجتماعية معروفة. لذلك يُدفع الخطاب إلى أقصاه، وتُختزل الدولة في السلطة التنفيذية، وتُختصر السياسات العامة في قرارات آنية، ويُغفل السياق التاريخي والتراكمي الذي تُبنى عليه الدول. في هذا المشهد، يغيب التمييز بين الدولة بوصفها كيانًا مستمرًا، والحكومة بوصفها إدارة قابلة للتغيير والمحاسبة.الدولة، مهما اشتد الخلاف مع إداراتها، ليست كيانًا عابرًا يمكن التعامل معه بمنطق المواسم السياسية. المسّ بمشاعر الناس في قضايا تمس حياتهم اليومية لا يُنتج إصلاحًا بقدر ما يراكم احتقانًا اجتماعيًا هشًا. الخطاب المشحون على الدوام يصنع مناخًا نفسيًا عامًا يرى في كل قرار شكًا، وفي كل سياسة ريبة، وفي كل تحدٍ مادة للتشكيك، وهو مناخ لا يخدم الاستقرار ولا يفتح أفقًا لإصلاح حقيقي.ليس المطلوب تعطيل الرقابة البرلمانية، ولا تقييد حرية النقد، ولا تبرئة الحكومات من الأخطاء. المطلوب إعادة الاعتبار للعقل السياسي الرشيد الذي يميّز بين النقد والتقويض، وبين المعارضة والعمل على إضعاف الثقة بالدولة. فالدول لا تُقاس بقوة خطاباتها، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف دون تفكيك ذاتها من الداخل.كفانا جلدًا بالدولة تحت عناوين فضفاضة، وكفانا استثمارًا في الألم العام لتحقيق مكاسب سياسية مؤقتة. الإصلاح الحقيقي يبدأ حين يكون النقد مسؤولًا، وحين تبقى الدولة خطًا ثابتًا في الوعي الجمعي، وحين يُدرك الجميع أن إعادة الاعتبار السياسية لا تكون على حساب الوطن بل من خلاله.حدادين يكتب: ما بين الرقابة الدستورية وتعبئة المزاج العام
مدار الساعة ـ