مع بداية عام 2026 وما حمله من أمطار الخير تبرز حقيقة أساسية في مفادها أن العبرة ليست بكميات الهطول المطري المسجلة، بل بالقدرة على إدارة هذه المياه وحصادها. فقد ذهب جزء كبير من مياه الأمطار هدراً، سواء عبر الجريان السطحي أو الفيضانات التي تسببت بخسائر مباشرة لبعض المزارعين، في وقت سبقتها فترات جفاف طويلة أثّرت على الإنتاج الزراعي في الأردن والعالم.
هذة المفارقات المناخية هي أحد آثار التغير المناخي والذي أثر على مختلف القطاعات ومنها القطاع الزراعي ،مما يستدعي العمل بواقعية أكبر وملامسة حاجات القطاع الزراعي والمزارع بشكل مباشر.ومن هنا، يمكن أن يكون عام 2026 عام خير على الزراعة الأردنية إذا ما تم اتخاذ مجموعة متكاملة من الإجراءات العملية والملموسة التي تضمن ديمومة القطاع تدعم المزارعين وتحقق الأمن الغذائي، وتترجم رؤية التحديث الاقتصادي إلى نتائج حقيقية بعيداً عن الشعارات. تؤكد الحكومة أهمية القطاع الزراعي في تعزيز الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي، من خلال الإستمرار في تحديث الرؤية الإستراتيجية للزراعة والأمن الغذائي، والتي تعتمد على تحسين جودة الإنتاج، وتعزيز الإستدامة البيئية، والتوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة، ورفع القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والإقليمية، إلى جانب معالجة تحديات التسويق الزراعي القديمة الحديثة.غير أن التحدي الأهم يبقى في إطلاق خطة وطنية تنفيذية قابلة للتطبيق، تتضمن مؤشرات أداء واضحة، وآليات تنفيذ ومتابعة، وتقارير تقييم دورية تعكس الواقع الزراعي وتوجه السياسات بناءاً عليه. أما تعزيز الأمن الغذائي يتحقق من خلال بناء قدرات المنتجين المحليين ورفع كفاءة الإنتاج، بهدف الوصول إلى الإكتفاء الذاتي في عدد من السلع الزراعية. وتشير تقارير وزارة الزراعة إلى أن الأردن حقق نسبة اكتفاء ذاتي تجاوزت 61% ( اكتفاء من حليب الأبقار بنسبة 100% ،ومن الدواجن 80% ، ومن اللحوم الحمراء 30% ، وحوالي 80% من معظم أصناف الفواكه و140% من الخضار)،هذه المؤشرات الإيجابية تتطلب دعماً أكبر للزراعة الذكية، وتقنيات تقليل الفاقد والهدر، والتوسع في التخزين والتبريد والتصنيع الزراعي على مستوى المملكة، دون منافسة المزارعين في مشاريعهم في الإنتاج. وفي خطوة داعمة، خصصت الحكومة موازنة موسعة للإقراض الزراعي، مما يشكل فرصة حقيقية لتمويل المشاريع الزراعية الصغيرة والمتوسطة ودعم مدخلات الإنتاج(بذور، أسمدة،اعلاف، وغيرها) إلا أن نجاح هذه الخطوة يستدعي الأخذ بعين الإعتبار تأمين مخاطر الإنتاج ضمن القروض ضد الظروف والتغيرات المناخية. هذا مع السعي لإدارة المخاطر المناخية ،تم إصدار قانون صندوق التكافل للحد من المخاطر الزراعية رقم (5) لسنة 2025 وتغطيته نحو 25% من خسائر صغار المزارعين، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق التعويض ليشمل المخاطر المناخية بشكل أوسع من تأثير الفياضانات والجفاف والصقيع وغيرها. وفي تحسين إدارة الموارد الطبيعية يبقى ملف المياه من أكبر التحديات أمام الاردن والمزارع الأردني، ومن المؤمل إدارته بطريقة أكثر حكمة وواقعية للموارد المائية خاصة للقطاع الزراعي من خلال التوسع الكبير في مشاريع الحصاد المائي شاملة بناء السدود، والحفائر، وقنوات وآبار التجميع، وحتى على مستوى المزارع والمنازل للحد قدر الإمكان من كميات مياه الأمطار المهدورة وتجميعها في الوقت المناسب.كما تبرز أهمية إعادة تدوير المياه، وإطلاق برامج إرشادية موسعة تشجع على الري بالتنقيط واخيتار الزراعات المناسبة ، والتوسع في الزراعات المحمية بدلاً من الزراعات البعلية، وكيفية التعامل مع التغيرات المناخية وآثارها ،وغيرها من البرامج الارشادية الهامة إلى جانب رفع الوعي بطرق حماية التربة من التآكل والملوحة مما يساعد في رفع الثقة في الجهات الرسمية والتعاون معها.ولا يخفى على أحد أهمية تعزيز التسويق الزراعي رغم تحدياته المتراكمة والتي تواجهها كثير من الدول العربية والعالمية ،في الاردن هناك جهوداً تبذل سواء عبر التسويق التقليدي أو الإلكتروني. وتبرز الحاجة إلى تعزيز الصادرات الزراعية، والوقوف على مواطن الخلل ومحاولة إيجاد حلول مناسبة من الجهات الرسمية إن امكن ، وتوسيع منصات التسويق الإلكتروني لتسهيل وصول المزارعين إلى الأسواق المحلية والإقليمية. وعلى المستوى الدولي، تؤكد استراتيجيات الأمم المتحدة أهمية بناء الشراكات الإقليمية والدولية، بما ينسجم مع الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة 2030، الأمر الذي يتطلب توسيع التعاون مع المنظمات والهيئات المعنية بالزراعة، والبيئة، والمناخ، والطاقة، والتجارة، والشباب بما يخدم المزارع الأردني بشكل مباشر. من أحد ركائز نجاح القطاع الزراعي في العديد من الدول وجود قاعدة بيانات وطنية زراعية متخصصة، تعيد فهرسة القطاع، وتحدد الإحتياجات بدقة، وتوجه الدعم المالي والفني بعدالة وشفافية، وتساعد في متابعة الإنتاج والأسعار والمساحات المزروعة، وإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة . لمواجهة هذه التحديات والتقدم في الزراعة، يتطلب القطاع الزراعي ضرورة تبني الزراعة الذكية مناخياً بشكل أكبر والتوسع في إستخدام التكنولوجيا التي تساهم في زيادة الإنتاج وتقليل الهدر وتحسين إستدامة الموارد، بما في ذلك الري بالتنقيط الذكي، الزراعة المحمية ،تقنيات حديثة في إنتاج وتسويق المنتجات في الخلاصة يمثل عام 2026 فرصة حقيقية للأردن، وبقدر من التفاؤل الزراعي الواقعي، لترسيخ مساره نحو تحقيق الأمن الغذائي، عبر تحول حقيقي في السياسات الزراعية يرتكز على دعم المزارع، وإدارة الموارد الطبيعية بحكمة، وإستخدام التكنولوجيا الحديثة، وتعزيز الشراكات، ووضع البيانات والمعلومات الموثقة والسليمة في قلب القرار الوطني، بما ينعكس أثره الإيجابي على حياة المزارع الأردني وسلسلة الغذاء فهذه المعادلة المتكاملة وحدها قادرة على تحويل الرؤية إلى أثر واقعي ملموس.#دعم المزارع الأردني واجب وطني يفوق كل الواجبات لأنه الذراع الرئيسي للأمن الغذائي#المراجع • رئاسة الوزراء – جلسة حول رؤية تطوير الزراعة والأمن الغذائي في الأردن • وزارة الزراعة – مؤشرات الاكتفاء الذاتي، اجتماعات الأمن الغذائي، وقانون صندوق التكافل• تقرير The State of Food Security and Nutrition in the World 2025 • تقارير الأمم المتحدة حول تأثير التغير المناخي على الأمن الغذائي الدولي.الروابدة تكتب: من رؤية التحديث الاقتصادي إلى أثر واقعي ملموس للمزارع
المهندسة الزراعية فداء الروابدة
الروابدة تكتب: من رؤية التحديث الاقتصادي إلى أثر واقعي ملموس للمزارع
مدار الساعة ـ