أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخوالدة يكتب: إيران في عيون واشنطن.. إدارة التوازنات لا إسقاط النظام


د. زيد احسان الخوالدة

الخوالدة يكتب: إيران في عيون واشنطن.. إدارة التوازنات لا إسقاط النظام

مدار الساعة ـ

من هذا القرار، تبدو واشنطن وهي ترسم سيناريوهات متعددة لإيران في حال سقوط النظام الداخلي، حيث الهدف ليس الانهيار المفاجئ، بل الإضعاف التدريجي أو التقسيم البطيء. هكذا تتحول الخصومة إلى أداة إدارة، وتصبح إيران لاعبًا يمكن ضبط دوره ضمن التوازنات الإقليمية دون فراغ مهدد.

حين أطلق الرئيس الأميركي جورج بوش الابن توصيف «محور الشر» على كل من العراق وإيران وكوريا الشمالية، بدا الأمر في حينه أقرب إلى خطاب تعبوي أخلاقي، لكنه في العمق كان توصيفًا وظيفيًا أكثر منه حكمًا قيميًا. فطريقة تعامل الولايات المتحدة مع هذه الدول لم تكن واحدة، بل كشفت مع مرور الوقت عن اختلاف عميق في الحسابات، وعن فهم دقيق لطبيعة كل دولة، وتاريخها، وقدرتها على النهوض أو الانكفاء.

العراق، على سبيل المثال، سلّم أسلحته الاستراتيجية التي وُصفت بأسلحة الدمار الشامل إلى الأمم المتحدة، ودخل مرحلة حصار طويلة أنهكت الدولة والمجتمع، وجرّدته من عناصر القوة. هذا الضعف لم يفتح الباب للتدخل الخارجي فحسب، بل خلق بيئة داخلية رخوة سهّلت إسقاط النظام عبر تداخل العامل الخارجي مع أطراف داخلية. الأخطر من ذلك أن العراق، بعد سقوطه، تُرك ساحة مفتوحة لتدخلات إقليمية، وفي مقدمتها التدخل الإيراني، في سياق بدا وكأنه يهدف إلى ضمان أمر واحد: ألّا ينهض العراق مجددًا، وألّا يستقر.

هذا السلوك لا يمكن فصله عن إدراك غربي عميق لطبيعة التاريخ العربي والإسلامي، حيث أظهرت التجربة أن المجتمعات قادرة على التعافي السريع بعد الكبوات، وأن الدول التي تُترك لتستعيد توازنها قد تعود أكثر صلابة مما كانت. من هنا، لم يكن إضعاف العراق هدفًا نهائيًا بحد ذاته، بل كان جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بإدارة المنطقة لا بإعادة بنائها.

في المقابل، بدت إيران حالة مختلفة. فالدولة الإيرانية ليست مجرد نظام سياسي عابر، بل كيان يحمل وعيًا تاريخيًا متراكمًا، يتجاوز البعد الديني إلى تصور إداري عميق للدولة ودورها. تاريخيًا، لم تكن إيران دولة شيعية خالصة كما تُقدَّم اليوم، بل مرّت بتحولات مذهبية متأخرة نسبيًا، تزامنت مع أفول الدولة العثمانية. أما في عهد الشاه، فقد كانت إيران أقرب إلى الغرب، وذات علاقات طبيعية مع العرب، بل واتخذت مواقف داعمة لمصر في حرب 1973 من خلال تزويدها بالنفط، في لحظة مفصلية من الصراع العربي الإسرائيلي.

سقوط نظام الشاه وقيام الثورة الإيرانية لم يكن موضع ترحيب غربي، لكنه تحوّل لاحقًا إلى فرصة قابلة للاستثمار. فقد أُعيد تقديم إيران بوصفها مركز العالم الشيعي، ما جعل التعامل معها سياسيًا أكثر بساطة من حيث البنية المرجعية، إذ يمكن التفاوض مع دولة ذات قرار مركزي وعقيدة إدارية واضحة. في المقابل، يفتقر العالم السني إلى مرجعية واحدة جامعة على المستوى السياسي، رغم وجود مراكز دينية مؤثرة، وهو ما يجعل إدارة العلاقة معه أكثر تعقيدًا من منظور القوى الكبرى.

هنا لا يصبح البعد الديني هو العامل الحاسم، بل طريقة تنظيم الدولة لذاتها، وكيفية اتخاذ القرار داخلها. فالدولة الإيرانية، في وعيها العميق، لا تتحرك فقط بوصفها دولة إسلامية، بل بوصفها وريثة لإرث فارسي إمبراطوري قديم، كان يومًا ما ندًا للرومان والبيزنطيين. هذا الإرث، لا العقيدة الدينية وحدها، هو ما يفسر سلوكها الإقليمي، ودعمها لقوى غير دولية، واستثمارها لحالات الضعف والانقسام في الإقليم، مع رفع شعارات كبرى تتقاطع مع الوجدان العربي والإسلامي، وفي مقدمتها فلسطين.

اليوم، ومع تصاعد الأزمات الداخلية في إيران وظهور حركات احتجاجية متكررة، يقف العالم العربي والإسلامي في موقع أقرب إلى الحياد الحذر. ليس دفاعًا عن النظام الإيراني، بل خوفًا من فراغ لا تُعرف مآلاته. في هذا السياق، يبدو أن الرهان الأميركي لا يتجه نحو إسقاط النظام، بل نحو إضعافه، واستنزافه، ودفعه إلى التفاوض من موقع أضعف. فالنظام الذي يمكن التنبؤ بسلوكه، والتعامل مع مرجعيته الموحدة، يظل – في الحسابات الباردة – أقل كلفة من فوضى مفتوحة في دولة محورية بحجم إيران.

بهذا المعنى، لا تعود المسألة مسألة «شر» و«خير»، بل مسألة أدوار ووظائف وحدود حركة. دول تُستبعد لأنها قادرة على النهوض، وأخرى يُسمح لها بالبقاء في حالة إنهاك دائم لأنها، حتى إشعار آخر، ما تزال قابلة للإدارة.

في النهاية نقول إن تأجيج الصراع السني والشيعي في العراق هو خدمة لأمريكا فلو التزمت إيران بحسن الجوار لكانت دولة مقبولة مثل تركيا على سبيل المثال وعملت على تقوية أواصر التعاون العربي الإسلامي بعيداً عن شعارات الموت.

مدار الساعة ـ