لم تعد السياسة تُقاس فقط بالخطابات الرسمية أو نتائج التصويت، بل بالقدرة على إدارة الفضاء العام والتلاعب بالزمن العاطفي للمجتمع. المنصات الرقمية، التي تبدو في الظاهر فضاءات للتعبير الحر، هي في الواقع آلات دقيقة قادرة على تضخيم الأحداث، توجيه الانفعالات، وتوجيه النقاش العام وفق إيقاع غير مرئي. هنا تولد قوة مجهولة وخفية تتحكم في مسار النقاش قبل أن يصل إلى المؤسسات الرسمية، وتصبح العاطفة الجماهيرية قوة مؤثرة في رسم المسارات السياسية أكثر من أي خطاب أو قرار رسمي.
هذه القوة لا تحتاج إلى إرادة خارقة، بل إلى فهم دقيق لديناميكيات المنصة، للزمن، وللعاطفة المجتمعية، إنها تعرف متى تكون اللحظة مناسبة لإطلاق قضية، ومتى يمكن إعادة إحياء ملفات قديمة، ومتى يكون المجتمع أكثر تقبلاً للانفعال. عندها تتحرك كرة الثلج الرقمية، تتدحرج بسرعة، تجمع زخماً، وتصبح موجة لا يستهان بها، قادرة على تغيير مسارات الأفراد والأدوار السياسية دون أن يلحظ أحد من يقف خلفها.الخطورة تكمن في أن هذه القوة الخفية تستفيد من العاطفة الجمعية وتحوّلها إلى أداة، بينما يبدو للمتابعين أن الرأي العام هو من يقود المشهد. في الحقيقة، ما يبدو طبيعياً وعفوياً ليس إلا نتيجة تنسيق خفي بين التوقيت، التفاعل، والتضخيم. كل موجة غضب أو تأييد هي نتيجة إدارة دقيقة للسرد الرقمي. الجماهير، من غير وعي، تصبح شريكاً في تنفيذ استراتيجية سياسية لا يدركها معظمهم، وهنا يتحول المجتمع إلى ضحية للقوة نفسها التي يعتقد أنها تعكس إرادته.هذه الظاهرة لا تقل خطورة عن أي هجوم سياسي مباشر. منصات التواصل الاجتماعي لا تعمل فقط كمرآة لما يحدث في الشارع، بل كـ محرك ومسرّع، يخلق وقائع جديدة من الانفعالات القائمة، ويعيد تشكيل الأحداث بما يخدم سردية معينة. الواقع الذي يُعرض على العامة لا يكون بالضرورة انعكاساً صادقاً للحقائق، بل نتيجة تفاعل بين محتوى مختار، توقيت مدروس، واستجابة جماعية محسوبة. السياسة هنا لم تعد مجرد أداء المؤسسات، بل فن إدارة الانفعالات العامة بطريقة استراتيجية.الأمر يزداد تعقيداً عندما نلاحظ أن غياب أي إطار مؤسسي فعال لإدارة الفضاء الرقمي يترك المجال لهذه القوة الخفية لتملأ الفراغ. في مثل هذا الواقع، يصبح من السهل استغلال أي نقطة ضعف، أي جدال عابر، أو أي ملف قديم، وتحويله إلى موجة تضغط على الفاعلين السياسيين وتعيد صياغة مواقفهم قبل أن يتاح لهم الدفاع عن أنفسهم في الأطر الرسمية. القيم الأساسية للعمل السياسي"الشفافية، العدالة، المساءلة" تُهدر عندما تتحول المنصات إلى أداة لتصفية الحسابات أكثر من كونها وسيلة للحوار البناء.الحل، إذن، لا يكمن في كبح جماح العاطفة العامة، ولا في لوم المجتمع على تجاوبه الطبيعي مع الأحداث، بل في إدارة ذكية وواعية للمنصات الرقمية. هذه الإدارة تتطلب حضوراً مؤسسياً مبكراً، خطاباً استباقياً، وشفافية سريعة، بحيث تُقابل أي موجة تضخيم بإيضاحات واضحة، وتُحوّل أي انفعال جماهيري إلى فرصة لتعزيز النقاش الموضوعي. الفلسفة السياسية لهذا التوجه تقول إن القوة الحقيقية ليست في القوانين وحدها، ولا في المؤسسات فقط، بل في القدرة على فهم إيقاع العاطفة الجمعية وتحويله إلى طاقة إيجابية بدل أن يكون وقوداً سلبي.عندما تُدار المنصات بهذه الطريقة، يتحول المجتمع من ضحية للطاقة الخفية إلى شريك واعٍ، قادر على المساهمة في صناعة القرار ومراقبة الأداء، دون أن يصبح أداة للتضخيم السلبي أو للتلاعب بالرأي العام. العاطفة الجماعية، في جوهرها، هي قوة طبيعية للعدالة والمساءلة، تنتظر من يوجهها بحكمة، لتصبح مرآة صافية لروح المجتمع، وقوة سياسية لا تُقهر، وعنواناً للمصداقية والمساءلة.في النهاية، السلطة الرقمية ليست مجرد أداة، بل ميدان جديد للقوة والفكر، حيث تتشابك العاطفة مع السرد والتوقيت، لتخلق واقعاً يمكن أن يعكس الحق أو يزيّفه. من يفهم هذه الديناميكيات ويستثمرها بشكل استراتيجي، قادر على تحويل المشهد الرقمي إلى قوة إصلاحية فاعلة. ومن يغفل عنها، سيجد نفسه أمام موجات لا يملك السيطرة عليها، مضطراً للتفاعل معها بدل أن يقودها نحو أهداف واضحة وبنّاءة.الحسبان يكتب: توقيت، عاطفة، وسردية: السياسة في زمن السلطة الرقمية
مدار الساعة ـ