أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تحدي شخصي يربط اليد بالعقل! إصلاح المكسور ظاهرة لافتة في زمن يتسارع فيه الاستهلاك

مدار الساعة,أخبار ثقافية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -في زمن تتسارع فيه ثقافة الاستهلاك، وأصبح التخلص من الأشياء التالفة أسهل من محاولة إصلاحها، يظل شغف بعض الرجال بإصلاح المكسور ظاهرة لافتة، إذ يقف الكثيرون أمام القطع المعطلة في تحد شخصي يربط اليد بالعقل، ويمنح شعورا بالإنجاز والهدوء النفسي.

وفي كثير من البيوت، هناك رجل لا يتوانى عن فتح صندوق أدوات الصيانة ويقضي ساعات في تعديل أو تجميع أو إصلاح الأشياء، حتى لو كان بإمكانه شراء بديل جديد.
وهذا الميل ليس محض عادة، بل هو ظاهرة نفسية عميقة يتقاطع فيها الإحساس بالكفاءة مع الرغبة في السيطرة على البيئة المحيطة. فما الذي يجعل الإصلاح عند بعض الرجال أكثر فائدة من التخلص؟

إحساس بالكفاءة والقدرة

من أهم الأسباب النفسية وراء انجذاب الرجال إلى إصلاح الأشياء الإحساس بكفاءة ذاتية يولّدها هذا العمل.

وتطلق دراسة نفسية سلوكية على هذا العمل مصطلح "تأثير أيكيا" (IKEA Effect)، بوصفه انحيازا سلوكيا يجعل الأفراد يميلون إلى تقدير المنتجات أو الأشياء التي يشاركون في صنعها أو تجميعها بأيديهم بقيمة أعلى من قيمتها الموضوعية، حتى وإن كانت بسيطة أو أقل جودة من إبداعات الخبراء.

وتُظهر نتائج الدراسة أن هذا التعلّق لا ينشأ من الجهد وحده، بل من اكتمال الإنجاز بنجاح، إذ يتحول العمل اليدوي إلى مصدر للإعجاب بالذات والشعور بالكفاءة فقط عندما يُثمر منتجا مكتملا.

وسمت الدراسة هذه الظاهرة على اسم شركة الأثاث السويدية "أيكيا"، وتؤكد أن إصلاح أو تجميع أو إعادة بناء شيء وهو سلوك يمنح الرجال قيمة أعلى ويشعرهم بالتحكم والإنجاز، مقارنة بمن يشترون المنتج جاهزا، وهذه النتيجة ليست مجرد تفضيل استهلاكي، بل تعكس تقديرا داخليا للذات ينبع من القدرة على إحداث تأثير في العالم المادي بجهد مباشر.

والعمل اليدوي في الإصلاح يربط بين العقل واليد، ويمنح الرجل تجربة فورية لنتيجة عمله مثل شيء تالف يعود لوضعه الطبيعي، أو مشكلة تُحل أو أداة تستعيد وظيفتها، وهذا يشكل لحظة إنجاز صغيرة لكنها مرئية، على عكس المهام الذهنية البحتة التي لا تترك أثرا ملموسا على البيئة المحيطة.
العديد من الدراسات والمقالات النفسية والاجتماعية تشير إلى أن اللمفهوم الاجتماعي للرجولة يربط غالبا بين القدرة على الإصلاح والكفاءة والمسؤولية.
وفي هذا الإطار، يرى بعض الخبراء أن إحساس الرجل أثناء حل المشكلات يعزز لديه شعور السيطرة والتحكّم.

ولا يتعلّق الأمر دائما بطبيعة المهام نفسها، بل أيضا بطريقة معالجة الدماغ للمشكلات العملية، فمنذ الطفولة يتعرّض الأولاد في بعض البيئات إلى أنشطة تركز على البناء والتفكيك والتركيب، وهو ما يعزّز عندهم مهارات تركيب الأجزاء وفهم الوظائف المادية، وقد يتطور لاحقا إلى هواية.

الإنجاز الصغير.. وقود نفسي يومي

السعي لإصلاح قطعة صغيرة في اليوم يغذي الإحساس بالإنجاز الفوري، وهو أمر يؤكده علم النفس الإيجابي، فالإنجازات الصغيرة المتكررة تعتبر مكوّنا مهما للراحة النفسية، إذ تمنح الرجل شعورا بالتقدّم والسيطرة على واقعه.

ووجدت بحوث علمية متعددة أن الأعمال اليدوية والحرف -من الحفر إلى إصلاح الأجهزة- يمكن أن تقلل التوتر وتحسن المزاج، حتى لو كانت بسيطة، لأنها تمنح العقل استراحة من التفكير التجريدي وتركز الانتباه على مهام محسوسة.

هذه اللحظات الصغيرة من الإنجاز تُعد وقودا نفسيا، فهي تعزز تقدير الذات وتمنح شعورا بالفعالية، وهو شعور نادر في حياة يومية يهيمن عليها العمل المعرفي أو الافتراضي أو الروتين.

ويشعر الكثير من الرجال بالرضا حين "يُصلح ما أفسده الزمن" أو "يُعيد شيئا إلى طبيعته"، وهو شعور لا تقدّمه الأشياء الجديدة التي تُشترى جاهزة.
علاقة اليد بالعقل

يشرح علماء النفس مفهوما يُعرف بحالة التدفق (Flow)، وهي حالة تركيز عميق ينغمس فيها الإنسان في عمل يتطلب تركيزا وتحديا متوازنا ينتج عنه هدوء ذهني ونشاط نفسي مُرض.

وفي سياق الإصلاح فإن العمل اليدوي، الذي يتطلب تدريبا بسيطا وتفاعلا مستمرا مع الأخطاء وتعديلها، يخفي عند الرجل القلق ويحول انتباهه إلى حل المشكلة خطوة بخطوة، مما يخفّف التوتر ويهدئ الأعصاب.

وهذا الاندماج بين اليد والعقل لا يقدم مجرد نتيجة مادية، بل يُحدث تجربة معزّزة نفسيا وشعورا بالتحكّم في بيئتك وأنك قادر على تحسينها -على الأقل في هذه اللحظة- وإعادة ترتيب عالمك.

الاحتفاظ بالأغراض القديمة

يحاول بعض الرجال أيضا الحفاظ على الأشياء القديمة لارتباطها بالذّاكرة. ووجدت دراسة نشرت في مجلة القضايا الراهنة في علم نفس الشخصية (CIPP) العلمية الرائدة في المجال أن كلا الجنسين يستخدمان الأشياء الملموسة أحيانا وسيلة للتعامل مع التوتر أو الفراق أو تغيّر الحياة، وهو نمط يمكن أن يتداخل مع الرغبة في الإصلاح والحفاظ على الأشياء بدل الرمي.

في ثقافة استهلاكية تشجع على التخلص السريع، يصبح إصلاح الأشياء فعلا مضادا لاتجاه غالب في المجتمع، وهذا السلوك يربط بين القيمة والاستخدام والإبداع، ويمنح الرجل شعورا بأنه لا يستهلك فحسب، بل يحافظ ويُعيد الاستخدام.

وهناك آراء متنامية في دراسات السعادة المستدامة ترى أن الإصلاح يعزز شعور الإنسان بالغاية والعلاقة بين الذات وبيئتها، وهو ما يرتبط بتخفيف شعور العجز الناتج عن ثقافة الإلقاء السريع.
لماذا بعض الرجال أكثر انجذابا لهذا السلوك؟

لا يمكن تفسير ميل البعض لإصلاح الأشياء بنوع الجنس فقط، لكنه قد يتقاطع في هدفه مع ما يؤكده علم النفس التطوري والاجتماعي، وهو أن الكفاءة والتحكم في البيئة دوافع مشتركة بين البشر، لكنها قد تتجلى بشكل واضح لدى الفئات التي تربط هويتها بالإنجاز العملي الملموس.
وعندما يحقق الرجل نجاحا في إصلاح شيء ما، حتى لو كان بسيطا، فإنه يحصل على دليل مادي على كفاءته وقدرته على حل المشكلات، وهذا ما يربط بين اليد والعقل في علاقة إنتاجية واضحة، ويولد شعورا نفسيا إيجابيا ينعكس على الحالة المزاجية العامة.

وفي الختام لا يتعلق إصلاح الأشياء دائما بفعالية عملية أو بالرغبة في توفير اقتصادي، بل إنه فعل يحمل في طياته شعورا بالقدرة والتحكم والإنجاز، ويخلف حالة من الهدوء الذهني والتركيز ويمنح لحظات من المعنى في عالم يسرع نحو الرمي والاستهلاك.


مدار الساعة ـ