أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حدادين يكتب: من إدارة الأزمات إلى هندسة الاستقرار.. التحدي الأردني القادم


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

حدادين يكتب: من إدارة الأزمات إلى هندسة الاستقرار.. التحدي الأردني القادم

مدار الساعة ـ

لم تعد الأزمات تُقاس بجغرافيتها، بل بسرعة انتقال عدواها. التهديد لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل حالة دائمة تُدار تحت عناوين متعددة: أمن، اقتصاد، طاقة، هوية، معلومات. المشهد الدولي اليوم ليس صراع محاور بقدر ما هو انهيار قواعد وتحوّل القوة من مركزها التقليدي إلى هوامش غير متوقعة. في هذا الفراغ الاستراتيجي، تُختبر الدول لا بقدرتها على الصراخ، بل بقدرتها على الصمت المحسوب، وعلى قراءة ما لا يُقال.

الأردن، بحكم موقعه وتكوينه ودوره، ليس خارج هذا المشهد، لكنه أيضًا ليس لاعبًا هامشيًا فيه. هو دولة تعرف معنى البقاء وسط الزلازل، وتفهم أن النجاة لا تأتي من الاصطفاف الأعمى، بل من إدارة التوازنات الدقيقة. غير أن ما كان كافيًا بالأمس، لم يعد كافيًا اليوم. فطبيعة الصراع تغيّرت، وأدوات الضغط تطوّرت، والمخاطر لم تعد عسكرية فقط، بل مركّبة ومتداخلة.

المطلوب من الأردن في هذه المرحلة ليس ردّ فعل، بل إعادة تعريف للدور. دور لا يُختزل في الوساطة ولا يُستنزف في الدفاع، بل يُبنى على ثلاثة أعمدة متكاملة: وعي إعلامي سيادي، بنية تشريعية صلبة، وشبكة علاقات دولية.

أولًا، المنظومة الإعلامية. لم يعد الإعلام مجرد ناقل خبر أو أداة تبرير، بل أصبح ساحة صراع بحد ذاته. الدول تُستهدف اليوم عبر الرواية، لا عبر الدبابة. التشكيك، التفكيك، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي أصبحت أدوات ضغط لا تقل فتكًا عن العقوبات. المطلوب منظومة إعلامية أردنية جديدة، لا تكتفي بالدفاع، بل تُبادر، تشرح، وتبني سردية وطنية عقلانية تخاطب الداخل قبل الخارج. إعلام يفهم الأمن القومي بوصفه وعيًا مجتمعيًا، لا شعارًا موسميًا، ويعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يترك الفراغ ليملأه الآخرون.

ثانيًا، المنظومة التشريعية. في زمن الفوضى السياسية، القانون هو خط الدفاع الأخير. ليس من باب القمع، بل من باب الوضوح. الدولة التي لا تُعرّف حدودها القانونية بوضوح، تُترَك لتُدار عبر التأويل. المطلوب تشريعات تواكب طبيعة التهديدات الجديدة: أمن رقمي سيبراني، منع التمويل مشبوه، تحجيم الخطاب التحريضي عابر للحدود، ومنع التدخل غير مباشر في القرار الوطني. تشريعات تحمي الدولة وتُحصّن السيادة دون أن تخنق الحريات. المعادلة صعبة، لكنها ممكنة إذا أُديرت بعقل مؤسسي لا بعصبية ظرفية.

ثالثًا، العلاقات الدولية. صحيح أن الأردن يتمتع بثقل دبلوماسي يتجاوز حجمه، وأن علاقات جلالة الملك شكّلت على الدوام صمام أمان في محيط مضطرب، لكن المرحلة الراهنة تتطلب أكثر من ذلك. تتطلب تحويل العلاقات من شبكة دعم سياسية إلى منظومة مصالح مُتبادلة، عميقة، ومتعددة المستويات. العالم يعيد تشكيل تحالفاته على أساس المنفعة لا القيم، وعلى الأردن أن يُتقن هذه اللغة دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية. تعزيز الحضور الأردني لا يكون فقط في العواصم الكبرى، بل في مراكز التفكير، وشبكات القرار غير الرسمية، والأسواق الناشئة التي ستُحدد ملامح النظام الدولي القادم.

الخلاصة أن الأردن لا يُطلب منه أن يكون أقوى من العاصفة، بل أن يكون أكثر تماسكًا منها. أن يفهم أن البقاء اليوم ليس في عدد الحلفاء، بل في وضوح الدور. وفي عالم "كلٌ يهدد كلًا"، الدولة التي تعرف من هي، وماذا تريد، ومتى تتحرك، هي الدولة التي تنجو. وما عدا ذلك، مجرد ضجيج ومغامرة سياسية.

د. يزن دخل الله حدادين

محامٍ وخبير قانوني

مدار الساعة ـ