أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشديفات يكتب: من الإدارة الشخصيّة إلى الحَوكمة المؤسسيّة.. قراءة في فلسفة التعديلات على قانون الإدارة المحليّة


المهندس مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني

الشديفات يكتب: من الإدارة الشخصيّة إلى الحَوكمة المؤسسيّة.. قراءة في فلسفة التعديلات على قانون الإدارة المحليّة

المهندس مؤيد الرشود الشديفات
المهندس مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
مدار الساعة ـ

تأتي التعديلات المقترحة على قانون الإدارة المحليّة في لحظةٍ سياسيّةٍ و إداريّةٍ دقيقة ، تتقاطع فيها الحاجة إلى تحسين الأداء البلدي مع متطلّبات الإصلاح الإداريّ و الماليّ الأشمل . و هي تعديلات لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً تقنيًا معزولًا ، بل باعتبارها تعبيرًا عن تحوّلٍ في فلسفة إدارة البلديّات ، و انتقالٍ مقصود من نموذجٍ تقليديّ قائم على الشخصنة ، إلى نموذجٍ مؤسّسيّ أكثر انضباطًا و وضوحًا في الصلاحيّات .

و بحسب ما رشح عن وزارة الإدارة المحليّة ، فإن جوهر التعديلات يتمحور حول فصل الإدارة التنفيذيّة عن المجلس البلديّ ، في خطوة تهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين القرار و التنفيذ ، و بين التمثيل الشعبيّ و الإدارة المهنيّة .

------------------

واقعٌ بلديٌّ مُعقّد فرض المراجعة

------------------

لا تنطلق هذه التعديلات من فراغ ، بل من قراءةٍ واقعيّة لتجربة البلديّات خلال السنوات الماضية ، حيث أفرز تداخل الأدوار بين المجالس البلديّة ، و رؤسائها ، و الجهاز التنفيذيّ ، حالةً من الإرباك الإداريّ و تضارب الصلاحيّات .

فعمليًا ، جمع رئيس البلديّة – أو رئيس اللجنة المؤقّتة – بين رئاسة المجلس ، و التدخّل في التنفيذ ، و التأثير في التعيينات و التكليفات ، و توجيه الموظّفين مباشرة . و هو ما أدّى إلى تحميل المجالس أخطاءً تنفيذيّة ، و فتح المجال لاجتهادات فرديّة ، أضعفت المساءلة ، و أثقلت كاهل البلديّات بتجاذبات لا علاقة لها بجوهر العمل الخدميّ .

هذا الواقع ، بما يحمله من اختلالات متراكمة ، جعل من إعادة الهيكلة خيارًا إصلاحيًا مطروحًا ، لا استهدافًا لدور المجالس ، بل حمايةً له .

------------------

فصل القرار عن التنفيذ : إعادة تعريف لا إقصاء

------------------

يقوم التعديل المقترح على مبدأ إداريّ واضح :

المجلس يُقرّ و يُراقب ، و الإدارة تُنفّذ و تُحاسَب .

فالمجلس البلديّ ، وفق الصيغة الجديدة ، يحتفظ بدوره الجوهريّ في إقرار الخطط الاستراتيجيّة و الموازنات و المشاريع ، و ممارسة الرقابة على الأداء ، دون الانخراط في التفاصيل التنفيذيّة أو إدارة الموارد البشريّة .

في المقابل ، تتولّى إدارةٌ تنفيذيّةٌ محترفة – يقودها المدير التنفيذي – تنفيذ قرارات المجلس ، و إدارة المال العامّ ، و الإشراف الإداريّ على الموظّفين ، ضمن مرجعيّة واضحة لوزارة الإدارة المحليّة ، و ديوان المحاسبة ، و أدوات الرقابة الرسميّة .

و هذا الفصل لا ينتقص من سلطة المجلس ، بل يعيد تحميل كلّ طرف مسؤوليّته الحقيقيّة ، و يمنع تمييع المساءلة .

------------------

رئيس البلديّة : من مديرٍ يوميّ إلى قائدٍ تمثيليّ

------------------

أحد أكثر التحوّلات حساسيّة في التعديلات ، هو إعادة توصيف دور رئيس البلديّة . ففي التوجّه الجديد ، يصبح الرئيس رئيسًا للمجلس ، لا مديرًا تنفيذيًا .

و هذا التحوّل لا يُضعف موقع الرئيس ، بل يعيد تركيزه على دوره الطبيعيّ : إدارة جلسات المجلس ، تمثيل البلديّة رسميًا ، ممارسة الدور السياسيّ و الرقابيّ ، و التنسيق مع الجهات المختلفة ، بدل الاستنزاف في أوامر الصرف و التكليفات اليوميّة .

كما أنّ انتخاب الرئيس في صندوقٍ مستقلّ ، كما ورد في التعديلات ، يعزّز الشرعيّة الشعبيّة ، و يفصل بوضوح بين اختيار القيادة السياسيّة ، و اختيار أعضاء المجلس .

------------------

الإدارة التنفيذيّة : المهنيّة أوّلًا

------------------

في قلب التعديل المقترح ، تبرز فكرة إنشاء جهازٍ تنفيذيٍّ مهنيٍّ مستقلٍّ نسبيًا ، يخضع لمعايير الكفاءة ، و تكون صلاحيّاته محدّدة بعقدٍ واضح و مسؤوليّاتٍ دقيقة .

وجود مدير تنفيذي بصلاحيّات إداريّة و ماليّة كاملة ، لا يعني مركزيّة القرار ، بل تحديد مرجعيّته ، بما يحدّ من الفوضى ، و يحمي المال العامّ ، و يمنع تضارب التعليمات داخل البلديّة الواحدة .

و هذا النموذج ، إذا طُبّق بصرامة ، يوفّر بيئة عمل أكثر استقرارًا للموظّفين ، و يحمي الملتزمين منهم ، و يُنهي كثيرًا من مظاهر التكليف الشكليّ أو العمل خارج الوصف الوظيفيّ .

------------------

اللجان المؤقّتة تحت مظلّة المساءلة المؤسسيّة

------------------

على صعيد اللجان المؤقّتة ، تكتسب التعديلات بعدًا تنظيميًا مهمًا ، إذ تُخفّف من حالة “ الآمر الناهي ” التي أحاطت برؤساء اللجان ، و تضعهم ضمن منظومة رقابيّة أوضح .

فبدل تحميل رئيس اللجنة مسؤوليّة كلّ تفصيل ، تصبح المسؤوليّات موزّعة ، و تخضع الإدارة التنفيذيّة للمساءلة المؤسسيّة ، لا للاجتهادات الفرديّة ، و هو ما ينعكس إيجابًا على الاستقرار الإداريّ .

------------------

الديمقراطيّة المحليّة بصيغةٍ أكثر نضجًا

------------------

لا تُقاس الديمقراطيّة المحليّة بمدى تدخّل المنتخب في التنفيذ ، بل بقدرته على الرقابة و المساءلة و حماية المصلحة العامّة . و من هذا المنطلق ، لا تبدو التعديلات انتقاصًا من الديمقراطيّة ، بل محاولة لإخراجها من الفوضى إلى المؤسّسيّة .

فالمواطن يحاسب المجلس ، و المجلس يراقب الإدارة ، و الإدارة تحاسب الموظّف ، في سلسلة مساءلة واضحة ، تعزّز الثقة بدل إرباكها .

------------------

مخرجات اللجنة الملكيّة , بين المبادئ العامّة و متطلّبات التطبيق

------------------

ما طرحه الدكتور عبدالله جبارة ، عضو اللجنة الملكيّة لتحديث المنظومة السياسيّة / لجنة الإدارة المحليّة ، يعكس حرصًا مفهومًا على عدم المساس بجوهر الإصلاح القائم على تعزيز الانتخاب و توسيع المشاركة الشعبيّة ، و هي مبادئ شكّلت ركيزة أساسيّة في مخرجات اللجنة الملكيّة ، و لا خلاف عليها من حيث المبدأ أو الهدف .

غير أنّ هذه المخرجات ، و إن حدّدت الاتجاه العام للإصلاح ، لم تُقدّم نموذجًا إداريًا تفصيليًا لإدارة البلديّات ، و لم تنصّ على شكل العلاقة اليوميّة بين المنتخب و التنفيذي ، بقدر ما أكّدت على ضرورة وضوح الأدوار و منع تداخل الصلاحيات الذي أثبتت التجربة أنّه أحد أسباب ضعف الأداء و تعطّل القرار المحليّ .

و من هذا المنطلق ، فإن إعادة تنظيم الصلاحيات الإداريّة و الماليّة لا ينبغي أن تُفهم تلقائيًا على أنّها تفريغ لدور رئيس البلديّة أو تقويض للعملية الانتخابيّة ، بل يمكن النظر إليها كمسعى لضبط العمل البلديّ ضمن إطارٍ مؤسّسيّ يحدّ من الشخصنة و يعزّز الإدارة المهنيّة ، شريطة أن تبقى السلطة التوجيهيّة و الرقابيّة بيد الجهة المنتخبة ، و أن لا يتحوّل الجهاز التنفيذي إلى مركز قرارٍ منفصل عن الإرادة الشعبيّة .

إن جوهر الإشكال لا يكمن في وجود مدير تنفيذي قوي إداريًا ، بل في غياب الضمانات التي تُبقي هذا الموقع خاضعًا لسياسات و أولويات مجلسٍ منتخب يملك صلاحيات حقيقيّة في إقرار الخطط و الموازنات و مساءلة الأداء . فالمطلوب ليس إضعاف المنتخب و لا إطلاق يد المعيّن ، و إنما بناء علاقة تكامل واضحة ، تُحقّق الكفاءة دون الإخلال بمبدأ المساءلة الشعبيّة .

و عليه ، فإن النقاش الدائر يجب أن ينصرف إلى كيفية ترجمة مخرجات اللجنة الملكيّة تشريعيًا بشكل متوازن ، لا إلى وضع الإصلاح السياسي و الإصلاح الإداري في مواجهةٍ مصطنعة . فالتحديث الحقيقي لا يتحقق بالشعارات ، بل بتصميم منظومة محليّة تُحسن الإدارة ، و تحفظ في الوقت ذاته مكانة الانتخاب كمدخل أساسي للشرعيّة و المساءلة .

------------------

إصلاحٌ سياسيّ بأدواتٍ تقنيّة

------------------

في المحصّلة ، لا يمكن النظر إلى تعديلات قانون الإدارة المحليّة بمعزلٍ عن المسار الأشمل لتحديث المنظومة السياسيّة و الإداريّة في الدولة .

فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على تكريس ثنائيّة منتخب مقابل معيّن ، و لا على اختزال النقاش في مخاوف أو انطباعات ، بل على بناء نموذج حكمٍ محلّيّ يوازن بوعيٍ بين الشرعيّة الانتخابيّة و الكفاءة الإداريّة ، و يمنح كلّ طرفٍ أدواته الواضحة و حدود مسؤوليّته .

إنّ التحدّي اليوم لا يتمثّل في حماية المواقع بقدر ما يتمثّل في حماية الفكرة:

فكرة الحكم المحلي القادر على اتخاذ القرار ، و تنفيذ السياسات ، و الخضوع للمساءلة في آنٍ واحد.

فإفراغ الانتخاب من مضمونه خطر ، تمامًا كما أن إدارة المرافق العامّة دون ضوابط مؤسسيّة خطرٌ آخر لا يقلّ عنه أثرًا .

و من هنا ، فإنّ أي تعديل تشريعي ناجح هو ذاك الذي يُترجم روح مخرجات اللجنة الملكيّة إلى نصوصٍ قابلة للتطبيق ، تُعزّز ثقة المواطن ، و تُحسّن الأداء ، و تُبقي باب الإصلاح مفتوحًا على التطوير لا التراجع .

فالدولة القويّة لا تخشى المراجعة ، و الإصلاح الناضج لا يُدار بالقطيعة ، بل بالتوازن ، و التدرّج ، و حسن البناء على ما تحقّق .

مدار الساعة ـ