تأتي التعديلات المقترحة على قانون الإدارة المحليّة في لحظةٍ سياسيّةٍ و إداريّةٍ دقيقة ، تتقاطع فيها الحاجة إلى تحسين الأداء البلدي مع متطلّبات الإصلاح الإداريّ و الماليّ الأشمل . و هي تعديلات لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً تقنيًا معزولًا ، بل باعتبارها تعبيرًا عن تحوّلٍ في فلسفة إدارة البلديّات ، و انتقالٍ مقصود من نموذجٍ تقليديّ قائم على الشخصنة ، إلى نموذجٍ مؤسّسيّ أكثر انضباطًا و وضوحًا في الصلاحيّات .
و بحسب ما رشح عن وزارة الإدارة المحليّة ، فإن جوهر التعديلات يتمحور حول فصل الإدارة التنفيذيّة عن المجلس البلديّ ، في خطوة تهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين القرار و التنفيذ ، و بين التمثيل الشعبيّ و الإدارة المهنيّة .------------------واقعٌ بلديٌّ مُعقّد فرض المراجعة------------------لا تنطلق هذه التعديلات من فراغ ، بل من قراءةٍ واقعيّة لتجربة البلديّات خلال السنوات الماضية ، حيث أفرز تداخل الأدوار بين المجالس البلديّة ، و رؤسائها ، و الجهاز التنفيذيّ ، حالةً من الإرباك الإداريّ و تضارب الصلاحيّات .فعمليًا ، جمع رئيس البلديّة – أو رئيس اللجنة المؤقّتة – بين رئاسة المجلس ، و التدخّل في التنفيذ ، و التأثير في التعيينات و التكليفات ، و توجيه الموظّفين مباشرة . و هو ما أدّى إلى تحميل المجالس أخطاءً تنفيذيّة ، و فتح المجال لاجتهادات فرديّة ، أضعفت المساءلة ، و أثقلت كاهل البلديّات بتجاذبات لا علاقة لها بجوهر العمل الخدميّ .هذا الواقع ، بما يحمله من اختلالات متراكمة ، جعل من إعادة الهيكلة خيارًا إصلاحيًا مطروحًا ، لا استهدافًا لدور المجالس ، بل حمايةً له .------------------فصل القرار عن التنفيذ : إعادة تعريف لا إقصاء------------------يقوم التعديل المقترح على مبدأ إداريّ واضح :المجلس يُقرّ و يُراقب ، و الإدارة تُنفّذ و تُحاسَب .فالمجلس البلديّ ، وفق الصيغة الجديدة ، يحتفظ بدوره الجوهريّ في إقرار الخطط الاستراتيجيّة و الموازنات و المشاريع ، و ممارسة الرقابة على الأداء ، دون الانخراط في التفاصيل التنفيذيّة أو إدارة الموارد البشريّة .في المقابل ، تتولّى إدارةٌ تنفيذيّةٌ محترفة – يقودها المدير التنفيذي – تنفيذ قرارات المجلس ، و إدارة المال العامّ ، و الإشراف الإداريّ على الموظّفين ، ضمن مرجعيّة واضحة لوزارة الإدارة المحليّة ، و ديوان المحاسبة ، و أدوات الرقابة الرسميّة .و هذا الفصل لا ينتقص من سلطة المجلس ، بل يعيد تحميل كلّ طرف مسؤوليّته الحقيقيّة ، و يمنع تمييع المساءلة .------------------رئيس البلديّة : من مديرٍ يوميّ إلى قائدٍ تمثيليّ------------------أحد أكثر التحوّلات حساسيّة في التعديلات ، هو إعادة توصيف دور رئيس البلديّة . ففي التوجّه الجديد ، يصبح الرئيس رئيسًا للمجلس ، لا مديرًا تنفيذيًا .و هذا التحوّل لا يُضعف موقع الرئيس ، بل يعيد تركيزه على دوره الطبيعيّ : إدارة جلسات المجلس ، تمثيل البلديّة رسميًا ، ممارسة الدور السياسيّ و الرقابيّ ، و التنسيق مع الجهات المختلفة ، بدل الاستنزاف في أوامر الصرف و التكليفات اليوميّة .كما أنّ انتخاب الرئيس في صندوقٍ مستقلّ ، كما ورد في التعديلات ، يعزّز الشرعيّة الشعبيّة ، و يفصل بوضوح بين اختيار القيادة السياسيّة ، و اختيار أعضاء المجلس .------------------الإدارة التنفيذيّة : المهنيّة أوّلًا------------------في قلب التعديل المقترح ، تبرز فكرة إنشاء جهازٍ تنفيذيٍّ مهنيٍّ مستقلٍّ نسبيًا ، يخضع لمعايير الكفاءة ، و تكون صلاحيّاته محدّدة بعقدٍ واضح و مسؤوليّاتٍ دقيقة .وجود مدير تنفيذي بصلاحيّات إداريّة و ماليّة كاملة ، لا يعني مركزيّة القرار ، بل تحديد مرجعيّته ، بما يحدّ من الفوضى ، و يحمي المال العامّ ، و يمنع تضارب التعليمات داخل البلديّة الواحدة .و هذا النموذج ، إذا طُبّق بصرامة ، يوفّر بيئة عمل أكثر استقرارًا للموظّفين ، و يحمي الملتزمين منهم ، و يُنهي كثيرًا من مظاهر التكليف الشكليّ أو العمل خارج الوصف الوظيفيّ .------------------اللجان المؤقّتة تحت مظلّة المساءلة المؤسسيّة------------------على صعيد اللجان المؤقّتة ، تكتسب التعديلات بعدًا تنظيميًا مهمًا ، إذ تُخفّف من حالة “ الآمر الناهي ” التي أحاطت برؤساء اللجان ، و تضعهم ضمن منظومة رقابيّة أوضح .فبدل تحميل رئيس اللجنة مسؤوليّة كلّ تفصيل ، تصبح المسؤوليّات موزّعة ، و تخضع الإدارة التنفيذيّة للمساءلة المؤسسيّة ، لا للاجتهادات الفرديّة ، و هو ما ينعكس إيجابًا على الاستقرار الإداريّ .------------------الديمقراطيّة المحليّة بصيغةٍ أكثر نضجًا------------------لا تُقاس الديمقراطيّة المحليّة بمدى تدخّل المنتخب في التنفيذ ، بل بقدرته على الرقابة و المساءلة و حماية المصلحة العامّة . و من هذا المنطلق ، لا تبدو التعديلات انتقاصًا من الديمقراطيّة ، بل محاولة لإخراجها من الفوضى إلى المؤسّسيّة .فالمواطن يحاسب المجلس ، و المجلس يراقب الإدارة ، و الإدارة تحاسب الموظّف ، في سلسلة مساءلة واضحة ، تعزّز الثقة بدل إرباكها .------------------مخرجات اللجنة الملكيّة , بين المبادئ العامّة و متطلّبات التطبيق------------------ما طرحه الدكتور عبدالله جبارة ، عضو اللجنة الملكيّة لتحديث المنظومة السياسيّة / لجنة الإدارة المحليّة ، يعكس حرصًا مفهومًا على عدم المساس بجوهر الإصلاح القائم على تعزيز الانتخاب و توسيع المشاركة الشعبيّة ، و هي مبادئ شكّلت ركيزة أساسيّة في مخرجات اللجنة الملكيّة ، و لا خلاف عليها من حيث المبدأ أو الهدف .غير أنّ هذه المخرجات ، و إن حدّدت الاتجاه العام للإصلاح ، لم تُقدّم نموذجًا إداريًا تفصيليًا لإدارة البلديّات ، و لم تنصّ على شكل العلاقة اليوميّة بين المنتخب و التنفيذي ، بقدر ما أكّدت على ضرورة وضوح الأدوار و منع تداخل الصلاحيات الذي أثبتت التجربة أنّه أحد أسباب ضعف الأداء و تعطّل القرار المحليّ .و من هذا المنطلق ، فإن إعادة تنظيم الصلاحيات الإداريّة و الماليّة لا ينبغي أن تُفهم تلقائيًا على أنّها تفريغ لدور رئيس البلديّة أو تقويض للعملية الانتخابيّة ، بل يمكن النظر إليها كمسعى لضبط العمل البلديّ ضمن إطارٍ مؤسّسيّ يحدّ من الشخصنة و يعزّز الإدارة المهنيّة ، شريطة أن تبقى السلطة التوجيهيّة و الرقابيّة بيد الجهة المنتخبة ، و أن لا يتحوّل الجهاز التنفيذي إلى مركز قرارٍ منفصل عن الإرادة الشعبيّة .إن جوهر الإشكال لا يكمن في وجود مدير تنفيذي قوي إداريًا ، بل في غياب الضمانات التي تُبقي هذا الموقع خاضعًا لسياسات و أولويات مجلسٍ منتخب يملك صلاحيات حقيقيّة في إقرار الخطط و الموازنات و مساءلة الأداء . فالمطلوب ليس إضعاف المنتخب و لا إطلاق يد المعيّن ، و إنما بناء علاقة تكامل واضحة ، تُحقّق الكفاءة دون الإخلال بمبدأ المساءلة الشعبيّة .و عليه ، فإن النقاش الدائر يجب أن ينصرف إلى كيفية ترجمة مخرجات اللجنة الملكيّة تشريعيًا بشكل متوازن ، لا إلى وضع الإصلاح السياسي و الإصلاح الإداري في مواجهةٍ مصطنعة . فالتحديث الحقيقي لا يتحقق بالشعارات ، بل بتصميم منظومة محليّة تُحسن الإدارة ، و تحفظ في الوقت ذاته مكانة الانتخاب كمدخل أساسي للشرعيّة و المساءلة .------------------ إصلاحٌ سياسيّ بأدواتٍ تقنيّة------------------في المحصّلة ، لا يمكن النظر إلى تعديلات قانون الإدارة المحليّة بمعزلٍ عن المسار الأشمل لتحديث المنظومة السياسيّة و الإداريّة في الدولة . فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على تكريس ثنائيّة منتخب مقابل معيّن ، و لا على اختزال النقاش في مخاوف أو انطباعات ، بل على بناء نموذج حكمٍ محلّيّ يوازن بوعيٍ بين الشرعيّة الانتخابيّة و الكفاءة الإداريّة ، و يمنح كلّ طرفٍ أدواته الواضحة و حدود مسؤوليّته .إنّ التحدّي اليوم لا يتمثّل في حماية المواقع بقدر ما يتمثّل في حماية الفكرة: فكرة الحكم المحلي القادر على اتخاذ القرار ، و تنفيذ السياسات ، و الخضوع للمساءلة في آنٍ واحد. فإفراغ الانتخاب من مضمونه خطر ، تمامًا كما أن إدارة المرافق العامّة دون ضوابط مؤسسيّة خطرٌ آخر لا يقلّ عنه أثرًا .و من هنا ، فإنّ أي تعديل تشريعي ناجح هو ذاك الذي يُترجم روح مخرجات اللجنة الملكيّة إلى نصوصٍ قابلة للتطبيق ، تُعزّز ثقة المواطن ، و تُحسّن الأداء ، و تُبقي باب الإصلاح مفتوحًا على التطوير لا التراجع . فالدولة القويّة لا تخشى المراجعة ، و الإصلاح الناضج لا يُدار بالقطيعة ، بل بالتوازن ، و التدرّج ، و حسن البناء على ما تحقّق .الشديفات يكتب: من الإدارة الشخصيّة إلى الحَوكمة المؤسسيّة.. قراءة في فلسفة التعديلات على قانون الإدارة المحليّة
المهندس مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
الشديفات يكتب: من الإدارة الشخصيّة إلى الحَوكمة المؤسسيّة.. قراءة في فلسفة التعديلات على قانون الإدارة المحليّة
المهندس مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
مدار الساعة ـ