أثار الجدل النيابي الذي رافق إحدى جلسات مجلس النواب الأخيرة نقاشاً دستورياً يتجاوز الواقعة ذاتها إلى مسألة أعمق تتصل بفهم الأدوات الرقابية، ولا سيما آلية تحويل السؤال إلى استجواب. وقد أفرد النظام الداخلي أحكاماً تمييزية واضحة بين السؤال والاستجواب من حيث الطبيعة البرلمانية لكل منهما والآثار المترتبة عليه. فالسؤال، كما عرفته المادة (123)، هو استفهام النائب من رئيس الوزراء أو الوزراء عن أمر يجهله في شأن من الشؤون التي تدخل في اختصاصاتهم، أو رغبته في التحقق من حصول واقعة وصل علمه بها، أو استعلامه عن نية الحكومة في أمر من الأمور، بما يجعل طبيعته في الأصل استفهامية.
أما الاستجواب، الذي عرفته المادة (131) من النظام الداخلي بأنه محاسبة الوزراء أو أحدهم على تصرف له في شأن من الشؤون العامة، فهو أداة رقابية أشد، تتجاوز مجرد الاستفهام إلى المحاسبة، وتنقل المساءلة من النطاق الفردي إلى الإطار الجماعي، بما يفتح الباب أمام مناقشة عامة قد تنتهي بطرح الثقة، وهو ما يفسر إخضاعه لشروط شكلية وإجرائية أكثر صرامة.وقد رسم النظام الداخلي لمجلس النواب طريقاً محدداً لتحويل السؤال إلى استجواب، يوازن بين حق النائب في تعميق الرقابة وبين مقتضيات الانضباط الإجرائي. فالمادة (127) قررت تدرجاً لازماً عند عرض السؤال والجواب على جدول الأعمال، بحيث يُمنح النائب حق الكلام ثم يُعطى الوزير حق الرد، فإذا اكتفى النائب أُغلق بحث الموضوع، وإلا جاز له التعقيب مرة ثانية أو تحويل السؤال إلى استجواب.كما قررت المادة (130) جواز تحويل السؤال إلى استجواب في حالتين؛ في الجلسة التي يُناقش فيها السؤال، أو إذا لم تُجب الحكومة خلال مدة شهر من ورود السؤال إليها. غير أن سلطة النائب في التحويل، وإن كانت مقررة بنص صريح، تبقى مقيدة بالأصول الشكلية والموضوعية التي وضعها النظام الداخلي للاستجواب، إذ لا يكتمل أثر التحويل بمجرد الإعلان عنه تحت القبة، بل يظل معلقاً على استيفاء الشكل الذي اشترطه النظام.فالمادة (132) أوجبت على العضو الذي يريد استجواب وزير أو أكثر أن يقدم استجوابه خطياً إلى الرئيس مبيناً الموضوعات والوقائع التي يتناولها الاستجواب، وعلى الرئيس تبليغ الوزير المختص به، كما قررت أن يُشترط في الاستجواب ما يُشترط في السؤال. ثم جاءت المادة (133) لتنظم ما يترتب على ذلك من إجراءات، فأوجبت على الوزير أن يجيب رئيس المجلس خطياً على الاستجواب خلال مدة لا تتجاوز واحداً وعشرين يوماً، مع بيان حالات تقصير المدة أو تمديدها.وبذلك فإن إعلان النائب رغبته في تحويل السؤال إلى استجواب، سواء تم في الجلسة ذاتها أو في جلسة لاحقة، لا يُنشئ بذاته حالة استجواب مكتملة الأركان ولا تترتب عليه آثارها، ما لم يُستكَمل الشكل الخطي والبيانات اللازمة التي اشترطها النظام الداخلي.ويثور في هذا السياق سؤال يتعلق بنطاق الاستجواب عند تحويل السؤال إليه، وهو ما إذا كان الاستجواب يقتصر على الوقائع ذاتها التي وردت في السؤال، أم يمكن أن يمتد ليشمل وقائع أو محاور جديدة لم تكن مطروحة سابقاً. وإن كان النظام الداخلي لم ينص صراحةً على منع الإضافة أو إجازتها في حالة التحويل، إلا أن منطق التحويل وغايته وموقعه بين أداتين رقابيتين مختلفتين يفضي إلى أن الأصل أن يبقى الاستجواب المحوّل مرتبطاً بموضوع السؤال ذاته وبالوقائع التي لم يقتنع النائب برد الوزير عليها أو التي لم تُجب الحكومة عنها، لا أن يتحول إلى أداة جديدة تُضاف إليها وقائع وأسئلة مستقلة.ففي حالة التحويل يكون السؤال هو الأصل، والاستجواب فرعاً عنه وامتداداً رقابياً لتعميق المساءلة حول الموضوع ذاته دون استحداث موضوعات جديدة. فلو جاز توسيع نطاق الاستجواب المحوّل ليشمل وقائع لم تكن جزءاً من السؤال، لأدى ذلك إلى خلط غير مبرر بين تحويل السؤال إلى استجواب المنصوص عليه في المادة (130)، وبين تقديم استجواب جديد ابتداءً وفق المادة (132)، ولكل منهما شروطه وآثاره المختلفة. كما أن إدخال وقائع جديدة على نحو مفاجئ يتعارض مع الغاية التي كرستها المادة (127) في ترتيب الأدوار داخل الجلسة، بما يمكّن المجلس من الإحاطة بموضوع محدد قبل الانتقال به إلى مستوى المساءلة الجماعية.ومن زاوية أخرى، فإن قصر الاستجواب المحوّل على موضوع السؤال يحقق غاية تنظيمية تتمثل في تمكين مجلس النواب من الإحاطة الدقيقة بالوقائع محل المساءلة. فالتحول من السؤال إلى الاستجواب ينقل الموضوع من نقاش نيابي ثنائي إلى حوار جماعي قد ينتهي بطرح الثقة، ومن غير المتصور أن يُفاجأ المجلس بوقائع جديدة لم تكن مطروحة أو معلومة عند مرحلة السؤال.إن احترام التراتبية التي رسمها النظام الداخلي بين السؤال والاستجواب، وضبط نطاق التحول بينهما، لا ينتقص من الدور الرقابي للنائب، بل يحميه من الانحراف عن غايته، ويحفظ للمساءلة البرلمانية جديتها وهيبتها، ويصون مجلس النواب من الانزلاق إلى جدل إجرائي يطغى على جوهر الرقابة ومقاصدها الدستورية.حدود تحويل السؤال إلى استجواب
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
حدود تحويل السؤال إلى استجواب
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ