سلسلة مقالات بداية العام الدراسي الجديد
المرحلة السادسة: الطالب المبدع والمستقل: نحو رحلة التعلّم المستدامالمقال الثالث:التقويم البنائي للسلوك الرقمي في البيئة المدرسيةنحو مدرسةٍ تُنمّي الوعي وترتقي بالممارسات الرقمية الآمنةهذا المقال لا يقدّم أدوات تقنية أو إجراءات ضبط، بل يطرح فلسفة تربوية عملية لبناء طالب واعٍ بسلوكه الرقمي، قادر على التعلّم المستدام، وصناعة أثر أخلاقي وإنساني في العالم الرقمي.لم يعد وجود الطالب في العالم الرقمي أمرًا عابرًا أو نشاطًا جانبيًا يمكن تجاهله، بل أصبح فضاءً مركزيًا يُسهم بعمق في تشكيل شخصيته، وبناء منظومته القيمية، وصياغة وعيه بذاته وبالآخرين وبالعالم من حوله. ومن هنا، يبرز دور المدرسة بوصفها حاضنة تربوية شاملة، لا تكتفي بتعليم المهارات التقنية، بل تتجاوز ذلك إلى بناء إنسان رقمي متزن، واعٍ، ومسؤول.إن المدرسة المعاصرة مطالَبة اليوم بأن تُعيد النظر في مفهوم الضبط السلوكي، لتنتقل من منطق الرقابة والعقاب إلى منطق التوجيه والوعي، ومن التركيز على الخطأ إلى الاستثمار في التعلّم. وفي هذا السياق، يبرز التقويم البنائي للسلوك الرقمي بوصفه مدخلًا تربويًا فاعلًا يُرافق الطالب في رحلته التعليمية، ويساعده على فهم سلوكه، ومراجعة ممارساته، وبناء وعي ذاتي ينعكس أثره على حياته المدرسية والرقمية معًا.أولًا: مفهوم السلوك الرقمي في البيئة المدرسيةالسلوك الرقمي هو منظومة من القيم والممارسات الأخلاقية والمسؤولة التي يُظهرها الطالب أثناء استخدامه للأجهزة الرقمية، والتطبيقات، ومنصات التواصل، وبيئات التعلّم الإلكتروني. وهو لا ينفصل عن السلوك الصفي، بل يُعد امتدادًا طبيعيًا له.ويتجلّى هذا السلوك في مجموعة من الممارسات اليومية، من أبرزها:احترام الخصوصية الشخصية وخصوصية الآخرين.الالتزام بقواعد الأمان والحماية الرقمية.التحلّي بالأخلاقيات والآداب الرقمية في التفاعل والنشر.إنتاج محتوى هادف وآمن ومسؤول.التفاعل الإيجابي والبنّاء مع الزملاء والمعلمين في البيئات الافتراضية.ومع توسّع أنماط التعلّم الرقمي، لم يعد بالإمكان الفصل بين ما يتعلّمه الطالب داخل الصف، وما يمارسه عبر المنصات الرقمية؛ فالقيم التي تُغرس في الصف تظهر في الفضاء الرقمي، وما يحدث رقميًا ينعكس بالضرورة على سلوك الطالب داخل المدرسة.ثانيًا: لماذا نحتاج إلى التقويم البنائي للسلوك الرقمي؟يُعد التقويم البنائي نهجًا تربويًا مستمرًا يهدف إلى مرافقة الطالب أثناء التعلّم، لا محاسبته بعد وقوع الخطأ. وهو تقويم يركّز على النمو، ويمنح الطالب فرصة مراجعة سلوكه وتعديله قبل أن يتحوّل إلى عادة سلبية راسخة.وتنبع أهمية التقويم البنائي للسلوك الرقمي من كونه:يعزّز الوعي الذاتي لدى الطالب بتصرفاته الرقمية.يحوّل الأخطاء إلى فرص تعلّم وتفكير، بدلًا من أن تكون سببًا للعقاب.يدعم الانضباط الإيجابي ويحدّ من الأساليب العقابية التقليدية.يربط بين دور المدرسة والأسرة في توجيه السلوك.يسهم في بناء مواطن رقمي مسؤول، قادر على استخدام التكنولوجيا بوعي وأخلاق.وبهذا المعنى، لا يُعد التقويم البنائي خيارًا تربويًا إضافيًا، بل ضرورة حتمية في مدرسة القرن الحادي والعشرين.ثالثًا: أثر التقويم البنائي في بناء شخصية الطالبعندما يُمارَس التقويم البنائي للسلوك الرقمي بوعي تربوي، فإنه لا يقتصر على تعديل سلوكيات آنية، بل يُسهم في إعادة تشكيل شخصية الطالب. فيتعلّم تحمّل المسؤولية، وضبط الذات، والتفكير قبل النشر، واحترام أثر الكلمة والصورة في الآخرين.وهنا ينتقل الطالب من كونه مستخدمًا للتقنية إلى فاعلٍ أخلاقي فيها، يمتلك وعيًا رقميًا يُرشده في اختياراته، ويمنحه القدرة على التعلّم الذاتي، وصناعة الأثر الإيجابي.رابعًا: أدوات عملية لتقويم السلوك الرقمييمكن للمعلم توظيف أدوات رقمية بسيطة لكنها فعّالة في تتبّع السلوك الرقمي، وتعزيز وعي الطالب، وتقديم تغذية راجعة بنّاءة، ومن أبرزها:Google Classroomمنصة مناسبة لمتابعة التزام الطلاب بالتعليمات الرقمية، وتوثيق الملاحظات التربوية المرتبطة بالسلوك أثناء أداء المهام الرقمية.Padletجدار رقمي تفاعلي يُتيح للطلاب مشاركة مواقف وتجارب رقمية، أو عرض نماذج لاستخدام آمن وأخلاقي للتكنولوجيا.Canvaأداة إبداعية تمكّن الطلاب من تصميم منشورات توعوية حول الخصوصية، والملكية الفكرية، والأمان الرقمي، مما يعزّز القيم الرقمية أثناء عملية الإنتاج.Google Formsأداة لقياس مستوى الوعي الرقمي، وتحليل السلوكيات، واستطلاع الاحتياجات، وتقديم تغذية راجعة قائمة على بيانات دقيقة.خامسًا: استراتيجيات تربوية لتعزيز السلوك الرقميالسلوك لا يُبنى بالمحاضرات أو التوجيهات النظرية فقط، بل عبر ممارسات صفية مستمرة ومواقف تعليمية حيّة، ومن أبرز الاستراتيجيات الفاعلة:التحفيز الإيجابيإبراز النماذج الرقمية الراقية، وتوثيق السلوك المسؤول، وتحويل الممارسات الإيجابية إلى قصص نجاح مُلهمة.التعلّم القائم على المشروعفي المشاريع الرقمية الجماعية يتعلّم الطالب تنظيم العمل، واحترام جهود الآخرين، وحماية الملفات المشتركة، والعمل بروح الفريق، وهو تقويم سلوكي عملي واقعي.الحوار والتفكير التأمليجلسات قصيرة يناقش فيها الطلاب تجاربهم الرقمية، والتحديات التي واجهوها، وما تعلّموه، وكيف يمكن تحسين سلوكهم مستقبلًا.دمج القيم في الأنشطة الرقميةالقيم لا تُدرّس في دروس منفصلة، بل تُمارَس في تعليق مهذّب، وتصميم مسؤول، واحترام حقوق النشر، وكلها لحظات تربوية حيّة.سادسًا: المعلم قدوة رقميةلا يمكن بناء سلوك رقمي رشيد دون معلم يُجسّد هذا السلوك في ممارساته اليومية. فالمعلم قدوة في لغته الرقمية، وتعليقاته، واحترامه للخصوصية، والتزامه بأخلاقيات النشر والتواصل.وهنا لا يقتصر دور المعلم على التقويم، بل يتجاوز ذلك إلى التربية بالفعل قبل القول، وبالسلوك قبل التوجيه.سابعًا: توظيف الأدوات الرقمية في الدور المجتمعي للمدرسةلم تعد الأدوات الرقمية مجرد وسائل تعليمية، بل تحوّلت إلى منصات تُوسّع أثر المدرسة نحو المجتمع، من خلال:Google Classroom لإدارة المشاريع المجتمعية والمهام المشتركة.Canva لتصميم حملات توعوية تخدم قضايا المجتمع.Padlet لتوثيق المبادرات المجتمعية بالصور والفيديو.Google Forms لاستطلاع آراء المجتمع المدرسي وتحليل البيانات.Google Sites لبناء مواقع تعرض إنجازات الطلاب ومشاريعهم.وهكذا يصبح التوظيف الرقمي جسرًا يربط المدرسة بالمجتمع، ويعزّز دورها التربوي والتنموي.ثامنًا: شراكة المدرسة والأسرة في السلوك الرقميالسلوك الرقمي مسؤولية تربوية مشتركة لا تكتمل دون شراكة حقيقية بين المدرسة والأسرة. وتتحقق هذه الشراكة من خلال:اجتماعات دورية لمناقشة التحديات الرقمية.تثقيف الأسرة بمهارات الحماية والرقابة الرقمية.توحيد الرسائل التربوية بين المدرسة والبيت.تشجيع الممارسات الأسرية الآمنة مثل تنظيم وقت الشاشة.بيئة متكاملة من المدرسة والبيت تمنح الطالب منظومة قيمية متوازنة في كل مكان.إن بناء سلوك رقمي رشيد هو رحلة تربوية طويلة، تتطلب وعيًا عميقًا من المعلم، وتفاعلًا صادقًا من الطالب، وتعاونًا مستمرًا مع الأسرة والمجتمع. وفي مدرسة اليوم، لا يمكن فصل التعلّم عن السلوك الرقمي، ولا يمكن بناء جيل مسؤول دون تقويم بنائي واعٍ يدعم النمو، ويهذّب الممارسات، ويصنع مواطنًا رقميًا فاعلًا وأخلاقيًا.ومن هنا، فإن مسؤولية المدرسة اليوم لا تكمن في مراقبة السلوك الرقمي للطالب، بل في تعليمه كيف يراقب نفسه، ويُقوِّم أفعاله، ويصنع أثره بوعي وإنسانية.البستنجي يكتب: التقويم البنائي للسلوك الرقمي في البيئة المدرسية
مدار الساعة ـ